صناع البهجة جنود مجهولون.. مصطفى العافي نموذجا






أحمد زكي شحاتة أبو جبل

منذُ عرفتُه قبل قرابة العشرين عامًا، كان ولا يزال الأخ والصديق والأستاذ مصطفى فتحي العافي، صانعَ بهجةٍ وعرّاب سعادةٍ للكثيرين، أذكرُ أوّلَ نصٍ شعريٍ نُشِرَ لي، كان في الصفحة الأدبية التي كان يحررها بجريدة كفر الشيخ التابعة لديوان عامِ المحافظة.توطدت علاقتنا حتى تجاوزت حدودَ الصداقة، لتصل إلى الأخوّة، كانت لي تجربةٌ متواضعة في الصحافة، توقّفت لعدمِ جدواها، لكنني فوجئت بالعافي ذات يومٍ يسألني: إن كنتُ لا أزال أراسلُ الجريدة الصغيرةَ التي تصدر في أحدِ أحياء القاهرة، فلمّا أجبته بالنفي، دعاني لتناول الشاي مع «شخص هيعجبك جدًا» هكذا قال.


في أحد المكاتب الكائنة بسور استاد مدينة كفر الشيخ، كان ينتظرنا الراحل مصطفى الدالي، تولّى الأستاذ العافي تعريفَ كلٍ منّا بالآخر، وانطلق يعرضُ فكرةَ إقامة صالون ثقافي في مقر الجريدة الخاصة الوليدة، مقترحًا أن أتولّى ومعي صديقي الشاعر محمد صبحي نصر إدارة شئون هذا الصالون، وبالفعل بدأت فعاليات الصالون قبل صدور الجريدة التي كانت تستكملُ إجراءات ترخيصها، وانطلق يعقدُ الدورةَ تلوَ الدورة مستقطبًا المبدعين والجمهور من مختلف محافظات الدلتا.

وهناك.. كان العرّابُ الأكبر وصانعُ البهجةِ الأوحد مصطفى فتحي العافي، يبذل قصارى جهده لجمعِ أكبر عددٍ من المبدعين والكتّابَ والنابهين، فتعرّفت –عن طريقه- على الإعلامي المحترم والشاعر النابه والناقد الفذ محمد أحمد عابدين، وغيره من نجوم الفن والإعلام، لينضم إلينا لاحقًا المحلل السياسي مصطفى عمارة، وشيخنا الأستاذ محمد علي القصاص، والمخرج العبقري إبراهيم رجب، والأصدقاء الرائعون علاء الشامي وسالم أبو شعير ورضا السعيد ومحمد نصار ومحمود زيدان وعبير زاهر، وغيرهم بالإضافة إلى مؤسسي الصحيفة الوليدة، د. عادل أبو سكين والكاتب الصحفي كرم القرشي وضياء بدر ومصطفى الدالي وزينب عبد الموجود.



كان الصالون يمضي في طريقه مقدمًا المبدعين الحقيقيين، جنبًا إلى جنب مع محاولات الكشف عن المواهب الوليدة بين طلاب جامعة كفر الشيخ، الذين نجح العافي في استقطاب العشرات منهم، وبدأت الجريدة في الصدور، لأفاجأ بأنني واحد من العناصر الأساسية في قسم الديسك المركزي، مساعدًا للعافي، ما مثّل -بالنسبة لي- نقطة الانطلاق الحقيقية على طريق الإعلام الذي لم أعد أعرف لي عملًا سواه.

الغريب، أنّ ما صنعه العافي في هذه الصحيفة الوليدة، صنعه في أماكنَ أخرى عديدة، دون ظهورٍ ملموس بهيئته، لكن دائمًا كان يحرّك الأمور من وراء حجاب، وهكذا هم صنّاع الفرح الحقيقيون لا تكاد تشعر بوجودهم إلّا وقتَ حصاد النتائج.

العافي، والآلاف ممن هم على شاكلته، لا يجيدون تسويق أنفسهم لكنهم يجيدون فقط إدارة الأمور بشكلٍ صحيح دون انتظارٍ لكلمة شكر أو عبارة إشادة أو مظروفٍ يحملُ مكافأة مادية، هم صنفٌ خاص من البشر وهبَهم الله القدرة على العطاء دون مقابل، لذا وجدتني أكتبُ اليوم هذه الكلمات في محاولة لإلقاء الضوءِ على شخصية تتفانى دائمًا في إسعاد الآخرين دون أن يشعر بهم أحد.

أحمد زكي شحاتة أبو جبل




Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne