أحمد زكي شحاتة أبو جبلالحقيقة أنني، أسمع لأول مرةٍ أنّ لاعبًا مصريًا في منتخبنا الوطني اسمه عمرو وردة، ربما لتقصيرٍ مني أو جهل أو إهمال، ولكنها الحقيقة، أنا لا أعرف من منتخب مصر سوى لاعبٍ واحد اسمه محمد صلاح، إذ أنني لا أتابع كرة القدم، ولا أي رياضةٍ أخرى.
وما إن اندلعت أزمة هذا الـ«وردة»، حتى انبرى المحللون والخبراء والعرفاء وولاد أبو العرّيف، يقدمون صحائف اتهامات سابقة طالت اللاعب في وقائع مماثلة، ليبرز السؤال: ما دمتم تعرفون ملفّه، فلمَ الصمت ولماذا السكوت وكيف يكون هذا الشاب قدوة لشبابنا وواحدًا من ممثلي الرياضة المصرية في لعبة هي الأكثر شعبية في بلادنا وكل بلدان العالم.
وفجأة، برز فريقٌ آخر يدافع ويؤازر ويبرر ويساند «ابن وردة»، معتبرًا أنّ تصرفه كان طبيعيًا جدًا لأن «كل الشباب كده»، لأتساءل: ألستُ شابًا؟!.
الحقيقة، أن انهيار النسق القيمي للمجتمع، يعود لأسباب مختلفة أهمها وأبرزها هو فقدان إحساس الشخص بقيمته في المجتمع، فإذا كان اللاعب المشهور المتحقق الذي يخوض مباريات دولية باسم بلادنا ويعد سفيرًا للرياضة المصرية في نادٍ أوروبي قَبِلَ به محترفًا في صفوفه، يفتقدُ الإحساس بقيمتِه، فكيف تمنحونه ثقتكم وتبررون أفعاله الشنيعة وتصرفاته الوضيعة وفوق هذا وذلك تقبلون به مجددًا في صفوف منتخبنا، لينزل الملعب مجددًا لا ينقصه إلّا أن يُخرج لسانه للمجتمع استهتارًا بنا وبقيمنا وتقاليدنا وشبابنا وبناتنا؟!.
البعض أسهب في سرد تاريخ «ابن وردة» ونشأته في أسرةٍ محافظة، قالوا إن والده كان لاعبًا سابقًا في منتخب السلة، وكان متدينًا لدرجة أنه رفض رفع الكأس في حفلٍ أسطوريٍ مستبدلًا به المصحف «كتاب الله المجيد»، ما ينم عن نشأةٍ محافِظةٍ حدَّ التطرّف.
أقول تطرفًا، لأن ذلك -في تقديري- من شأنه أن يُحدثَ فتنة، فما الحال إذا كان قائد المنتخب مسيحيًا ورفع الكتاب المقدس بديلًا عن الكأس في حفل التتويج!.
وماذا لو فاز المنتخب المنافس وكان قائده يهوديًا ورفع تلمودَه بدلًا عن الكأس.. أوَ لم يكن ذلك مبررًا للفتنة، أو على الأقل يفتح بابًا للقيل والقال وكثرة الجدال؟!.
دعونا من حادثة وردة، وما كشفته من ترهل قيمي وانحدار أخلاقي لننتقل إلى مشهدٍ آخر، في كازاخستان، ذلك البلد الذي يعاقب المتحرشين بـ«الإخصاء الكيميائي».
الحقيقة أنّ ما لفت انتباهي وأردت التنويه إليه، هو التصرف الثأري الذي تبناه مواطنون هناك لمعاقبة كل مَن هو عربي في إحدى شركات المقاولات، تأديبًا وتهذيبًا وانتقامًا من مهندس لبناني تعمّد نشرَ صورةٍ على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» ممسكًا بإحدى يديه جهازَ نداءٍ «لاسلكي» ويلتقط بالأخرى صورة «سيلفي»، وتظهر خلفه فتاة محليّة وقد امتد الهوائي «أريال الجهاز» إلى فمها، في مشهدٍ مخزٍ، لم يهديء من وطأته على قلوب الجماهير سوى التشفي بسحل كل العرب العاملين في الشركة.
مشهد الانتقام -على قسوته- يبدو ردَّ فعلٍ طبيعيًا على فعلةٍ شنعاء،
لم يخرج من بينهم من يقول: إنهم ضيوف فأكرِموهم.
ولم يسأل غيره: ما ذنب الآخرين؟
ولم يعلّق ثالث، بأن الفتاةَ شريكة في الإثم.
كل هذا لم يحدث، ولو كانت الواقعة بيننا لوجد المنظرون و«المطيّباتية» ومدّعو حقوق الإنسان ألفَ ألفِ مبررٍ ومبرر، لكن هؤلاء القوم لم يخشوا لومةَ لائمٍ، في تأكيدٍ واضحٍ على أنه لا حقوق لإنسانٍ على حساب المجتمع، لا سيما إن كان هذا الإنسان وافدًا ضيفًا، فكان يجب عليه احترام تقاليد المجتمع الذي يعيش فيه.
الحادثان، أثارا فضولي للبحث حول عقوبة التحرش في القانون، لأجدها تتفاوت ما بين دولةٍ وأخرى، فالعقوبة في كلٍ من مصر والمغرب وسوريا والجزائر، لا تزيد على الحبس لبضعة أشهر، ودفع غرامات مالية قليلة، لكنها -للأسف- لا تُطبَق بحزم.
بينما في السعودية، يعاقب المتحرش بالسجن 5 سنوات وغرامة مالية قدرها نصف مليون ريال، والبحرين لا يعترف قانونها بالتحرش إلّا في المدارس فقط، وعقوبته الفصل من التعليم.
وفي فرنسا، تصل عقوبة التحرش إلى السجن 3 سنوات، مع دفع غرامة مالية تتراوح ما بين 30 لـ 45 ألف يورو، ويتشابه الوضع في باكستان مع فرنسا، أما أمريكا التي يحكمها رئيس يعد صاحب الرقم القياسي في فضائح التحرش والاغتصاب فتصل عقوبة المتحرش إلى السجن مدى الحياة، مع دفع غرامة مالية تصل إلى ربع مليون دولار أمريكي.
اللافت جدًا ما وجدته أثناء البحث، عن عقوبة المتحرش في التشيك، حيث ينص القانون على معاقبة المتحرّش بـ«الإخصاء الجراحي»!. نعم، ليكون الجزاء من جنس العمل، ولتكون العقوبة رادعة لكل من تسوّل له نفسه العبث بأعراض الآخرين أو التعدي على حريّاتهم، وتتبنى روسيا وبولندا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا نفس العقوبة.
أنا، لا أدعو إلى العنف، ولا أشجّعُ على «الإخصاء»، ولا أتصوّر بتر عضوٍ مهمٍ من جسدٍ شخص عقابًا له على فعلٍ ارتكبه في لحظة من غياب الضمير، والعقل أيضًا، ولا أظن الإخصاء رادعًا، فهناك العديد من الدول تطبق الحدود الشرعية بقطع يد السارق ومع ذلك، لا يزال اللصوص ينهبون ما وصلت إليه أيديهم.
أتحدث هنا عن رادعٍ أخلاقيٍ يتمثل في إلزام المتحرش -مثلًا- بتقديم شيء مفيدٍ للمجتمع، كزرع ألف شجرة ورعايتها لمدة 3 سنوات، وإذا أخفق تعاد محاكمته، أو محو أمية 10، شريطة أن يكونوا رجالًا!.. أو غير ذلك من العقوبات التهذيبية التي تعود بالنفع على المجتمع الذي أخطأ المتحرش في حقه.
وأخيرًا ما أحزنني وحَزّ في قلبي، أن إيلي داوود، المهندس اللبناني صاحب السيلفي الوقح، نفد من العقاب، بينما ترك بقية العرب في شركته يدفعون ثمن فعله، ثم خرج هو بفيديو قصير يقدم فيه اعتذارًا، لا تبدو على ملامحه أيُّ آثار للسحل أو التعذيب كبقية زملائه من غير المتحرشين.
أحمد زكي شحاتة أبو جبل
التسميات :
مقالات
الله الله الله
ReplyDeleteمقال عبقري
ربنا يزيدك من فضله و كرمه يا صديقي