د. رامي هلال يكتب: الحقيقة المنتفضة في قصيدة (فاء الفخار) للشاعر السيد الجزايرلي





قصة خلق الإنسان قصة ملهمة سردتها أغلب الأساطير وذكرتها أسفار وصحائف الديانات الوضعية والسماوية وجاء ذكرها في  الكتب المنزلة مثل : التوراة والإنجيل والقرآن وإن اختلفت مناحي التصور وطريقة سرد الحكاية في كل ديانة وكل كتاب لكن تكرارها يؤكد على محورية قضية الوجود والخلق في العقل الإنساني وأهمية معرفة بداية الوجود وكيف خلق هذا الكائن الذي انطوى فيه العالم الأكبر  ؟ ؛ فلقد ظل الإنسان عبر تاريخه الفكري والفلسفي يجيب عن سؤالين هما من أسئلة الوجود الكبرى: من أين جئنا ؟ وإلى أين نذهب؟


وقصة الخلق بما توحيه من ظلال وألوان وبما تحويه من بكارة البدء وغائية الوجود مادة ثرية تَسرب عبيرها إلى القصائد المعاصرة فتنوع ظهورها وفق الحالات الوجدانية والشعورية ووفق منظور الرؤية الشعرية وطرق البناء الشعري  

وهذه القصيدة تشتبك مع قصة خلق الإنسان ومراحل إنشاء هذا الخلق وما مرت به تجربته السماوية من وقوع الخطيئة حين وسوس إليه الشيطان فأكل من الشجرة المحرمة وما تبعها من الهبوط إلى الأرض ثم حمل أمانة التكاليف واستعمر الأرض فقد امتصت القصيدة عصارة القصة وتشربتها وأعادت إنتاجها وفق رؤية جديدة وإذا قلنا إن البنية التحتية المؤسِسة التي هيمنت على الألفاظ والتراكيب لهذا النص هي قصة الخلق في الكتاب العزيز لا نكون مبالغين؛ فالمعجم الشعري في القصيدة يتناص مع المعجم القرآني وينحاز إليه تصويرا وتصورا ويجعله مرجعا نصيا يؤوب إليه ويستعير ألفاظه مثل :(الفخار – الصلصال – مسنون – الأسماء – النار – التوراة – الإنجيل – القرآن – روح – طين – الشيطان – غوايتي - سورة الإنسان ) لكن الجديد أنه تم توظيف هذه الألفاظ  داخل نسق جديد، فقد استفاد النص الشعري  من الفجوات الزمنية الموجودة في النص المعجز واستثمرت القصيدة منطقة بكر في الخيال الشعري فحاولت أن تقيم بنيانها الفكري ومنظورها الشعري كي تظفر برؤية خاصة لا تتعارض مع النص المؤسس من جهة ولا تسقط في تكرارية إعادة الحدث فتكون بمثابة تفسير للآيات من جهة أخرى ،ونجحت في مد جسور آمنة لنقل الألفاظ والتراكيب والاقتباسات فتصنع وشائج جديدة وتتبنى دلالات خاصة وهذا لا يحدث في القصيدة إلا في درجة من حرارة التجربة  تسمح بانصهار العناصر المختلفة فتنتج سبيكة شعرية وقد ظهر ذلك حين اقتبس النص جزء من آية قرآنية ليوظفها في القصيدة من الآية رقم (72) من سورة الاحزاب (وأبين أن يحملنها )  موظفا إياها على مستوى الإيقاع النغمي والدلالي ؛ فقد كشفت لنا القصيدة أن هذه القطعة من النص المعجز موزونة على تفعيلة بحر الكامل (متَفاعلن متْفاعلن ) كي تتسق مع وزن القصيدة التي بنيت على البحر ذاته فالاقتباس لم يضف إلى القصيدة فقط لكنه من خلال التفاعل مع مكونات جديدة أضاء لنا جماليات موسيقية مختزنة لم نكن نراها؛ فالاقتباس أضاء كلا النصين، ما يدل على أن النص المؤسس/المعجز  لم ينتقل الى القصيدة إلا بناء على خبرة ووعي شديدين بطريقة الاقتباس والنقل وأن الشاعر كان واعيا لما ينقله من الخارج للداخل وأن عملية النقل تمت في حال انصهار العناصر في روح التجربة الشعرية .

ونقترب من تخوم القصيدة فيتلقانا العنوان وهو عتبة قرائية تزيده هذه القصيدة أهمية لما يلفها من غموض والتباس في بعض أجزائها عله يشع بصيصا من ضوء  ويتمثل العنوان ببعض سور القرآن المسماة على حرف واحد مثل : (ص) وسورة (ق) ويتمثل أيضا ببعض رسائل المتصوفة الغامضة التي تحتفي بعلم الحروف وأسرارها وترى (أن الحروف أمة من الأمم مخاطبون ومكلفون وفيهم رسل من جنسهم ولهم أسماء من حيث هم )ويتميز العنوان بالوقوف عند حرف (الفاء) وعند تحليله أسلوبيا نجده يتركب من اسمين متضايفين هما (فاء الفخار ) تركيب إضافي يتكون من كلمتين الثانية تضيق مفهوم الأولى وتخصص معناها من الفاء المعهودة التي نعرفها إلى (فاء الفخار) خصوصا ويفتح العنوان باب الأسلئة وهل فاء الفخار تختلف عن غيرها من الفاءات أو من الأحرف الأخرى في لفظة الفخار ، أم أن العنوان يرشدنا إلى النظر في الذات /الفخار باعتبار ماكانت عليه  وأنه سوف يعيد تركيب هذا الخلق وفق رؤية شعرية جديدة ربما ! وهل تشبه (الفاء) التي في الفخار الروح/الحقيقة التي في الجسد وقد ذكرها الشاعر مرتين: مرة في أول القصيدة ومرة في وسطها ( تنتفضُ الحقيقةُ في الجسدْ)( تحيا الحقيقةُ في الجسدْ) كما تحيا (الفاء)وسط كلمة (الفخار) فإذا سقطت الفاء منه (خار ) الفعل  كما يقوم الجسد بالروح فالجسد لا يستمد وجوده الا بالروح ربما !

وقد شاعت الفاء بصوتها المهموس محدثة تلوينا صوتيا لتنبئنا عن الدوال المركزية في جسد القصيدة فيكون العنوان بمثابة دلالة إشارية لذلك ربما ! (تنتفض /في /الخرافة /حرفا / حرف /الرفات /فلمن /الفخار /الخزف /خفيفة /الكفن /تفاعيل /الصوفي /فوق /فلتهدئي /فاصلة /فضاء /خفت /فخطيئتي /بمفردي /كفنت).

وتعدد قراءة العنوان يقودنا إلى تعدد القراءات في القصيدة فالمجاز في النص مراوغ لا تستطيع أن تمسك بدلالاته المباشرة وعندما تنظر إلى القصيدة تجدها منبثقة من ثلاث دوائر حكائية  (وقد رقمتها لمتطلبات القراءة ) تتفاوت طولا وقصرا فأقصرها المقطع الأول يليه الثالث ثم الثاني فهو أطول المقاطع وإذا أردنا أن نمثل القصيدة بخط بياني نجده خطا صاعدا من المنتصف ثم خطي مستقيم على جانبيه هذه الربوة هي أتون القصيدة  الملتهب ومكمن اكتشاف الشفرة الدلالية فيها وهاكم القصيدة :

(1)

من سيرةِ الصلصالِ

تنتفضُ الحقيقةُ في الجسدْ

وتُطلُّ من حمأٍ

يُواجهُ صمتَهُ المَسْنونَ

في ليلِ الخرافةِ

بالكلامْ



تبدا كل دفقة شعرية في القصيدة  بجملة متكررة هي (من سيرةِ الصلصالِ) لتكون حكاية منفصلة / متصلة تربط بينها أنها من هذه السيرة وهذه الاجزاء والمقاطع تنداح وتتداخل و تتضام كي ترسم لوحة كلية هي القصيدة 

 ومرحلة الصلصال هي المرحلة الأخيرة في خلق الانسان وقد سبقها مرحلتان: الأولى: مرحلة التراب والطين ، والثانية: مرحلة  الحمأ المسنون (وهو الطين المتروك المتغير) فأصبح بذلك للصلصال سيرة تذكر وحكايات تقص عن مراحل الخلق وتطوره . افتتحت الحكايات بلفظة (مِن) التبعيضية أو السببية فإذا كانت الأولى  فإنها توهم بافتتاح عالم كبير مترامي خلفها وقد اقتنص لنا الشاعر من سير وحكايات الصلصال وهذه بعضها أما إذا كانت سببية فإن فعل الانتفاض مسبب عنها وتتلون (من ) مع كل دفقة شعرية شكلا جديدا مما يلقي بظلاله على المعاني داخل النص ، وهذا المقطع استهلالي يرسم فيه الشاعر صورة خيالية تقف عند حدود الحلم أو عالم هيولي لا نكاد نمسك فيه بالأشياء لأنها ماتزال  في طور التشكل فلم تنتقل بعد من القوة إلى الفعل أو ما يسمى في لغة الرواية بالعوالم الممكنة ونجد الأفعال المضارعة في المقطع الأول تستحضر الصورة وتدخلنا في المشهد وتدب فيه الحياة أمامنا متآزرة مع سياق السيرة والحكي (تنتفض – تطل- يواجه ) مما يشيع جوا من الحركة والتفاعل داخل المقطع كما أن هذه الأفعال توكد الإيهام بالحدث والحدوث ؛فالحقيقة تنتفض والجسد ما يزال حمأ (أي طين أسود منتن لم يتشكل) هذا الحمأ يواجه صمته المسنون بالكلام،

 ويرسم الشاعر من خلال الطباق بين (ليل الخرافة –انتفاض الحقيقة )وبين (الصمت المسنون –والكلام )صورة حركية مشهدية استوعبتها جملته الشعرية الطويلة.

  إن (الحقيقة) في المقطوعة لفظة مراوغة متسعة الدلالة لكن ما تقوله الجملة الشعرية :إن الحقيقة المنتفضة استدعت الكلام فالمقطوعة تضعنا أمام فاعلين هما : الحقيقة والجسد؛ ولذا فان مرجع الضمائر إليهما لكن الحقيقة ضميرها غائب في الفعل (تطل) (هي )بينما الجسد ضميره غائب متصل في (يواجـــــــ/ه) إن اختيار ضمير الغياب يناسب صورة التشكل؛ واختيار لفظة الجسد مناسبة للسياق؛ لأنها تدل على الشيئ  غير المتشكل في صورة بعد ولذا يطلق على الجن جسدا وكذا على الملائكة فالإنسان ما يزال في مرحلة المواجهة والتشكل وهذا ما أرادات المقطوعة الاستهلالية أن توصله .


(2)

من سيرةِ الصلصالِ

تَخرجُ في المساءِ هُويَّتي

تتعلَّمُ الأسماءَ حرفًا

تِلْوَ حرفٍ

تستوي بَعْدَ الرُّفاتِ سُلالةً

للكائنِ المخلوقِ من طينِ السؤالْ

فلمن تبيعُ الريحُ أحلامَ الرمالْ؟

يا جَرَّة الفخَّارِ

من كَسَرَ الصبايا الخارجاتِ

إلى صباحِ النهرِ

من ليلِ العطشْ؟

من علَّم الصلصالَ سرَّ النارِ

في التوراةِ؛

والإنجيلِ؛

والقرآنْ

من قال للخزف اشتعلْ

جسدًا

يقاومُ طلقةً

روحًا

تحلِّقُ في السماءِ خفيفةً؛

وكأنها

وارتْ ذنوبَ الأرضِ

في طينِ البدنْ

يا جُثَّتي

سَقَطَ البياضُ عن الكفنْ

سَقَطَ الحدادُ على يديَّ

كغيمةٍ

تنوي الصلاةَ بلا وضوءٍ

أو مطرْ

يا جُثَّتي

صرختْ تفاعيلُ القصائدِ

كيْ تعودَ لبحرِها المهجورِ

من زمنِ الخليلْ

كيْ يزهدَ الصوفيُّ

في طلبِ التجلِّي،

والمددْ

(أحَدٌ .. أحَدْ)

تحيا الحقيقةُ في الجسدْ

يحيا انتصارُ الطينِ

بعدَ معاركِ الفخَّارِ ضدَّ النارِ

ضدَّ الماءِ

ضدَّ نبوءةِ الأسماءِ؛

ضدَّ مشيئةِ الشيطانِ

إنْ جَعَلَ الغُثاءَ تميمةً

فوقَ الزَّبدْ

(أحَدٌ .. أحَدْ)

وينبثق المقطع الثاني من خلال سيرة الصلصال وحكاياته التي بدأت في التشكل واتضاح الملامح  والتحقق ويتحول الليل من (ليل الخرافة )في المقطع الأول إلى (تخرج في المساء هويتي) حيث المساء الزمن الطبيعي  الواقعي المحدد وقد تشكل الجسد أصبح له هوية وكينونة وأمسى (الكائن المخلوق من طين السؤال ) وله صفات تميزه عن غيره وهذا يجعل العلاقة بين المقطعين علاقة  تراتبية متصلة نامية من خلال تغير الزمن وتبدل ألفاظه مما يشعر بالحركة والنمو والحدث وتطوره في كل فقرة مما يحقق الوحدة والاتصال بين الفقرات الثلاث التي هي في الأصل القصيدة كما أن لتكرار الجملة(من سيرة الصلصال ) عند بداية كل مقطع أثر معنوي في شد أسر القصيدة وترابطها شعوريا ودلاليا . وقد انتقل الضمير أيضا من ضمير الغياب في المقطع الأول إلى ضمير الحضور في المقطع الثاني  مثل ضمير المتكلم في كلمة (هويتي ) 

إن ملامح التشكل والتعلم قد تداعت إلى الجسد حتى استوى وتفرغت منه سلالة (ويستوي بعد الرفات سلالة) ويتوزع هذا المقطع بين أسلوبي الاستفهام وأداته (مِن ) وغايتها البحث عن الفاعل والأسلوب الثاني النداء وأداته (يا ) التي تعمق الاستفهام وتزيده حسرة (يا جرة الفخار من كسر الصبايا الخارجات إلى صبح النهر من ليل العطش ) وبين الاستفهام والنداء يبحث الإنسان عن الحقيقة المنتفضة في المقطع الأول ويواصل النداء فيتوارى الفعل المضارع فعل الحضور والتجدد واستحضار الحدث ليتحول إلى مجموعة من الأفعال الماضية تقع بعد النداء تارة وبعد الاستفهام تارة أخرى (من كسر / من علم / من قال للخزف ) وبعد النداء (يا جثتي سقط /يا جثتي صرخت ) إن تغير الفعل بعد الاستفهام يدل على فعل ماضوي قديم يعيدنا إالى لحظة ما  قبل الخلق والتهيؤ والتشكل فهناك يد هناك تتجلى نستمد منها المدد والعون . وقد رد النص على استفهاماته ولبى نداءته وعثر على الإجابة على الشفرة ووضعها بين قوسين وهي عبارة عن صوت يتردد داخل القصيدة (أحد أحد)لنفي الشريك والتعدد والدلالة على الخالق بأخص صفاته وهي الأحدية ويتناص هذا الصوت الموضوع بين قوسين  تستدعيه التجربة من التاريخ وتجعلنا نستمع إليه داخل القصيدة وهو صوت بلال الحبشي وهو يعذب في بطحاء مكة كي يتنازل عن دينه ويعود للشرك لكنه صوته الصارخ في البرية (أحد أحد ) كان ردا مزلزلا على جلاديه، وحالة الاستفهام الكائن في القصيدة قد خلقت أيضا نوعا من العذاب المعنوي الثقيل الذي جعل الصوت ينفجر أيضا داخل النص ليحقق نجاته من عذابات الشك والحيرة والتردد وانتفضت الحقيقة من الجسد (أحد أحد ) ؛ لذا فان القصيدة بعد هذا الصوت جعلت تهتف للحقيقة وتستدعى فعل الحياة الأبدي (تحيا الحقية ،يحيا انتصار الطين )وانتصار الطين ضد كل ما ينتقص من الكينونة والتفرد ثم ما تلبث أن تكرر تأكيدا على العثور على الحقيقة وأنها في هذا الصوت البسيط المثير الذي يرد المظاهر المتعددة إلى الواحدية الأحدية (أحد أحد )


(3)

من سيرةِ الصلصالِ

تبدأُ سورةُ الإنسانْ

فَلْتَهْدَئي 

يا شهقةَ الروحِ اهْدَئي

وتَهيَّئي للصمتِ في الملكوتْ

لا تَقْرَبي شَجَرًا يُباعِدُ بيننا

بَيْني 

وبَيْنَ اللهِ فاصلةٌ

وحَرْفْ

بَيْني 

وبَيْنَ الأرضِ معصيةٌ 

وبابْ

لا تُخْرجيني 

من فضاءِ الطُّهرِ 

إن خفَّتْ موازينُ الكتابْ

فخطيئتي 

أنِّي حَمَلْتُ أمانةً

(وأبين أن يحملنها)

وغوايتي

أنِّي اتَّكأتُ على جدارِ 

خطيئتي 

وأَكَلْتُ من شجرِ الغيابْ

ولقد هَبطتُ من السماءِ 

بمفردي؛

وبمفردي

كفَّنتُ ظلِّي بالترابْ.

في المقطع الثالث وبعد هدأة إعصار العثور على  الحقيقة وقد أشار إليه الهتاف الحادث في المقطع الثاني تأخذنا سيرة الصلصال إلى الاكتمال إلى بداية سورة الإنسان (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا *إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا )سورة الإنسان (آية 4،3)؛ ولذا جاء في هذا المقطع قصة الشجرة التى تؤكد سورة الإنسان والابتلاء الموكل به والخطيئة التي سوف تهبط به ليبدا رحلته على الأرض وبعد الوصول إلى منبع الحقيقة يهدهد الشاعر من روحه ويدعوها للاطمئنان والهدوء إلى القدر المحتوم والمقضي ثم يسوق للإنسان المعاذير في حمل أمانة التكليف ويؤكد أن الخلاص الإنساني خلاص فردي (بمفردي- وبمفردي ) ويظهر في هذا المقطع الفعل المضارع المنفي (لا تقربي شجرا – لا تخرجيني من فضاء الطهر ) كأنه يريد أن يلتئم مع روحه أن يدخل الملكوت صامتا ولا يقع في الغواية مرة أخرى لكنها سورة الإنسان وديدنه مذ كان

 ونلاحظ أن الضمائر قد توزعت على الإنسان وروحه وأن المقطع قد تحول إلى حوارية  من صوت متكلم آمر وآخر مضمر تدل عليه الضمائر المتنوعة بين ضمير المخاطب أنتِ (تهدئي – تقربي )وضمير المتكلم الحاضر (حملت – اتكأت – أكلت -هبطت )إن المقاطع الثلاث التي تخلقت منها القصيدة حاولت الإجابة عن السؤال الوجودي كيف خلقنا ؟ بالشعر؛ فالقصيدة تجنح إلى عوالم فكرية فلسفية لكن الشاعر استطاع أن يعالجها معالجة شعرية لا فكرية وأن يشيد عالما كاملا من المجاز أخذت فيه الموجودات تتشكل وفق  رؤية ملتحمة مع النسيج الكلي للنص الشعري فالحقيقة بدت كأنها ذات تنتفض والغيمة تنوي الصلاة بلا وضوء أو مطر والغثاء تميمة فوق الزبد هذه الصور الشعرية تدل على تناول الشاعر لفكرته بأدوات شعرية رهيفة متعددة الدلالات قابلة للتأويل وتعدد القراءات فربما تقرأ قصة الخلق هنا أيضا على أنها خلق القصيدة وما يعتري الشاعر فيها من تشكل وما يستدعيه الوحي الشعري من أخلاط تخلق وهناك بعض الإشارات النصية التي تساعد على تأويل القصيدة وفق هذه الرؤية(صرختْ تفاعيلُ القصائدِ/كيْ تعودَ لبحرِها المهجورِ/من زمنِ الخليل)ْ لولا ضيق المساحة لذكرتها.

 أما عن الموسيقى داخل النص فلم يكن الشاعر معنيا بالموسيقي الصاخبة  مع أنه ينظم على بحر شعري جميل الايقاع منتظم التفعيلة لكنه كان معنيا بالجمل الشعرية الكاملة ذات النفس الممتد الذي يعتمد على التواصل الصوتي وذلك باستخدام تقانة التدوير العروضي وقد شاع استخدامه في هذه القصيدة وفيه دلالة على سرد شعري يحاول أن يجعل النص كتلة واحد متآخذة متضامة فمثلا المقطع الأول لم توجد به قافية واحدة وتنوعت فيه تفعيلة البحر الشعري وجاء المقطع الأول وكأنه أفرغ إفرغا واحدا مسبوكا بلا قواف بمثابة التقديم بين يدي القصيدة كما أنه استخدم موسيقى القافية في التشكيل الشعري وجعل القافية كالنبر الذي يؤكد به على بعض الدلالات والمعاني  دلالات تضيف إلى المعني الكلي للقصيدة فمثلا اختفت القافية في المقطع الأول تماما واعتمد على التدوير كما أشرت سابقا أما في المقطع الثاني فجاءت القوافي متناثرة غير منتظمة وكلما اقترب النص من الوصول إلى معنى مركزي في القصيدة تاتي القافية بمثابة التأكيد على هذا المعنى فجاءت القوافي متنوعة متناثرة بين روي اللام مرة (السؤال – الرمال)  وروي النون في قوله (الكفن – البدن) لكن عندما توصل إلى معنى كاشف داخل القصيدة أحدث رنينا صوتيا كي يدل نغم القافية على الشفرات المهمة داخل النص  (مدد / أحد /جسد /زبد /أحد ) وارتفع الإيقاع محدثا قلقة صوتية عالية من أثر السكون على الحرف أما المقطع الثالث فقد جاء متسقا في قوافيه منتظما في حرف الروي وكأنه وصل إلى حالة الهدوء والصفاء والكينونة والتحقق فجاءت القافية (باب / الكتاب /الغياب / التراب )وهذا المقطع الاخير يصلح في حال انفصاله ان يكون قصيدة قصيرة مكتنزة بالمعاني والصور فهنا تبدو المقاطع الثلاث تنبيك القافية عن المعني فالمقطع الاول خلا من التقفية والمقطع الثاني تنوعت قوافيه كما تنوعت أساليبه بين الاستفهام والنداء وهو يدل على تشعب النفس في التوصل إلى الحقيقة وركز التقفية عن المعنى المركزي داخل النص أما المقطع الأخير مقطع التوازن النفسي والوصول إلى الحقيقة والاختيار جاء متوازنا أيضا في استخدام القافية كما تنوعت الموسيقى أيضا في أشكال أخر متعددة منها التكرار بأنواعه بين تكرار الجمل وتكرار كالكلمات (حرف تلو حرف )من (سيرة الصلصال)( أحد أحد) (بمفردي وبمفردي)( ضد ضد)   كما موسيقى الجناس (اهدئي لتهدئي) (يحيا تحيا) والتوازن بين الجمل (بيني وبين الله فاصلة وحرف/ بيني وبين الأرض معصية وباب )وموسيقى التضاد (لا تقربي شجرا يباعد) (الماء والنار )(صباح النهر ليل العطش )وغير ذلك مما عوض عن غياب التقفية في أبيات المقطع الأول  واهتزازها في المقطع الثاني. 

                                            ثم أما بعد ...

* فإن (فاء الفخار )قصيدة مكتنزة مثمرة لكن انتابها بعض الغموض الذي ينقل النص من حالة التواصل مع القارئ إلى حالة تشظي الدلالات ومحاولة البحث عن خيط ناظم  يجمع شتات التأويلات المتعددة وربما جاء بعض غموضها من اختيار الشاعر لقضية فلسفية محيرة .

* كما أن استخدام صوت بلال المتضمن  (أحد أحد ) قد استخدمه من قبل الشاعر أحمد سويلم في قصيدة له بعنوان (بكائية إلى سراييفو )يقول مكررا البيت الأول في مفاصل القصيدة : :

أحد أحد

ما من أحد

في الصور ينفخ أو يعيد الوجه

من لون الكمد 

*أن يضمن اقتباسه كما هو  (فأبين ) وليس (وأبين ) تطابقا مع النص القرآني وهذا لا يؤثر لا في الوزن ولا في المعنى 

*انه يمكن أن يعيد ضبط العنوان (اقتراح )فيقرأ على أن  (فاء ) فعل ماض بمعنى (رجع )ويكون ضبطه (فاء الفخار= فعل +فاعل )فالفخار رمز الآدمي وسوف يفيئ يوما ما إلى مستقره  كما جاء من مملكة السماء سوف يرجع إليها( ولقد هَبطتُ من السماءِ/ بمفردي؛/ وبمفردي/ كفَّنتُ ظلِّي بالترابْ).

إن هذا النص يصدق عليه ما يقوله الشاعر الفرنسي مالارميه :(إن للقصيدة الواحدة من المعاني بقدر ما لها من القراء )


إرسال تعليق

أحدث أقدم