بواسير شرجية وتبول لا إرادي

 

 إنه حقًا زمن العجائب والغرائب.. رأيان طبيان سمعتُهما هذا الأسبوع غايةً في الغرابة –على الأقلِّ بالنسبة لي- أحدهما لجراحٍ متمكّن عرفتُه ماهرًا متقنًا لحرفتِه -أجرى لي أنا شخصيًا جراحة ناجحة جدًا قبل عدة سنوات- أحد الشبان ذهب إليه يشكو علةً ما في جسده فقال له: لا بدّ من إجراء جراحة عاجلة جدًا لاستئصال البواسير، وعليك أن تدفع مبلغًا وقدره (............) وأن تخضع للعملية بأقصى سرعةٍ ممكنة حتى لا تصاب بـ«جلطة شرجية» يمتد تأثيرها إلى الكبد مرورًا بالأمعاء، ستتسبب في «دمار مصارينك» و«التهاب كبدك»، وبالفعل أسرع الشاب بدفع المبلغ –الذي أعتبره أنا خرافيًا- تحسبًا لإصابته بما أسماه الطبيب «جلطة شرجية قد تتسبب في التهاب الكبد ودمار الأمعاء».
الليلة الماضية، قررت أن أشاهد التلفزيون –ربما- للمرة الأولى منذ نيفٍ وأربعينَ يومًا، وبينما أشاهدُ فيلمَ «ليلة سقوط بغداد» باغتني إعلان الكركمين «الرخم جدًا»، فضغطت زر التنقل بين القنوات، ريثما ينتهي الأخ أبو النصر من إعلانه السمج، الذي لم يغفر له استقطاب سيدة الطرب الشعبي/ فاطمة عيد، والتي لم تنجح بدورها –رغم شعبيتها الجارفة في قلوبنا- في محاولة تبييض وجه خبير الأعشاب اللزج لدى المشاهدين، الذين يديرون حتمًا زر الانتقال رفضًا لسحنته «البايخة» وبينما أتنقل سريعًا –دون تحديد وجهةٍ معينة- استوقفني « Job title» غريب جدًا مكتوب على شاشة إحدى قنوات «بئر السلم» «أ. د. فلان الفلاني – خبير علاج التبول اللإرادي لجميع الأعمار»، والأغرب أنّ صوته وصلني متحدثًا عن «العنوسة» فرفعتُ يدي عن زر البحث، وأعرته كلّ انتباهي لأجد الرجل يقول، إن: «معظم الشابات العوانس، أو أولئك اللائي يرفضن الارتباط رغم تقدمهن في العمر يعانين في الأساس من سلس البول أو التبول اللاإرادي»، اندهشت لحديثه وأصغيت السمعَ أكثر لأجده يقول: إن «المرأة المطلّقة تصاب في الغالب بالتبول اللاإرادي بعد انفصالها عن الزوج»، فغرت فاهي متعجبًا من تلك التخاريف، لأجده يزيد الطين بلّة ويقول: «المفسوخة خطبتها تصاب أيضًا بالتبول اللاإرادي، ولتلافي هذه المشكلة -قبل حدوثها- عليها التوجه لعيادتي فور فسخ الخطبة، لبدء علاج يستغرق ما بين 4 إلى 6 أشهر»، فقلت في نفسي لا بد أن هذا الرجل أحد الذين يُطلقُ عليهم «أعداء المرأة»، لكنه فاجأني بتبديد ظنوني ودحض اتهامي له بالتحيز للذكور، ليستطرد: «أدعو رجالَ الدين وممثلي الشعب من نواب البرلمان وكل أصحاب القرار إلى ضرورة تعديل قانون الأحوال الشخصية لا سيما ما يتعلق منه بمسألة حضانة الأطفال، على أن ينص التعديل التشريعي على ضرورة إبقاء الأطفال –بنين وبناتٍ – في حضانة الأم لحين وصولهم سنّ الزواج وتكوين عائلة، سواءً تزوجت الأم أو لم تتزوج، يبقى الأولاد في حضانتها إلى الأبد حتى لا يصبحوا عُرضةً للإصابة بـ«التبول اللاإرادي».

كان الرجل يتكلم بطلاقة غريبة، وأسلوب غاية في الإقناع، بينما المذيعة يتلخص دورُها في الهمهمة فقط، فلا يصدر منها سوى: أممم.. تمااام.. آآآم.. لكنها في لحظةٍ ما قررت تحطيم جدار استسلامها لتسأله: وماذا عن المدخنين؟
فأجاب الطبيب: المدخنون لا خوفٌ عليهم، لكنّ مدمني المخدرات ومَن اعتادوا تناولَ الأدوية المنوِّمة والمهدئة يصابون، ليس فقط بـ«التبول اللاإرادي» بل بما هو أدهى وأمَرّ «التبرز اللاإرادي».
بعد أن انتهى الطبيب من محاضرته المقزّزة، التقطت هاتفي ورحت أسأل العم «جوجل» عن اسم الطبيب الذي حفرته في ذاكرتي، لأجد مكتوبًا «أ. د. فلان الفلاني استشاري علاج التبول والتبرز اللا إرادى وبيعالج قصر القامة وفرط الحركة وبيعالج جميع الأعمار وبيروح جميع المحافظات والعيادة الأساسية في شارع سكة الوايلي بالقاهرة»، لم يتبقَ إلّا أن يقول «العم جوجل» إنه «توجد خدمة توصيل العيال للمنازل»!!!.
في الواقع، أنّ الفئات التي عدّدها الطبيب –الذي أكد جوجل أنه استشاري مسالك بولية وخريج طب عين شمس دفعة 1980م- وجزَمَ بأنهم يصابون بالفعل بهذا الداء المقزز – حفظ الله الجميع- بل وإصراره على ذلك، غريبٌ جدًا، وتشخيص الجرّاح -الذي ما عرفته إلّا ماهرًا- بشأن «الجلطة الشرجية التي تؤثر في الكبد» أشد غرابة.
والسؤال الآن: هل كل ذلك حقيقي فعلًا وموجود في الواقع وله تفسيرات طبية، أم أنه مجرد خزعبلات الهدف منها جني الأموال؟!.


إرسال تعليق

أحدث أقدم