أحمد زكي شحاتة يكتب: «المتمردة».. بسمة شعبان

 


رغم طبيعتها الخجولة جدا، إلا أنها اتخذت من التمرد شعارا منذ نعومة أظفارها، نشأتها في أسرة محافظة، لم يمنعها من التحليق في آفاق الفكر المختلفة، فكانت أسئلتها دائما لمعلميها في المرحلة الابتدائية مغايرة تماما لما يعتمل في أذهان أترابها، أسئلة من قبيل: وماذا قبل بدء الكون؟!، كانت مؤشرا ليتنبأ لها معلموها بمستقبل مختلف عن كل زميلاتها. في مكتبة المدرسة، كانت تقضي جل وقتها، وذات يوم طالعت عنوان كتاب غريبا، “المرأة ليست لعبة”.
 حاولت الوصول إلى الكتاب فلم يساعدها جسدها الرقيق، فاستعانت بأقرب مقعد وتسلقت الأرفف حتى وصلت إلى الكتاب، وراحت تقرأ الدعوة التي وجهها سلامة موسى لكل امرأة مصرية، إلى إثبات وجودها الإنساني والاجتماعي بالعمل والإقدام، وأن تختار حياتها واختباراتها”.
 وراحت تقلب صفحات الكتاب، فأحست أنه يخاطبها هي بالتحديد، قائلا “أدعوك إلى أن تدربي ذكاءك، وتربي شخصيتك، وتستقلي في تعيين سلوكك، وتزدادي فهما وخيرا ونضجا بالسنين”. أخرجت مقلمتها من حقيبة المدرسة والتقطت وريقة صغيرة وراحت تدون فيها هذه الملاحظة: “عليَّ أن أزداد فهما وخيرا ونضجا بمرور السنوات”، اكتفت بما قرأت، وأغلقت الكتاب وأعادته إلى موضعه قبل أن تكتشف “أبلة هدى” مشرفة المكتبة هذا الجرم، أحست أن الكتاب طالما اختير له موقع أبعد ما يكون عن متناول التلاميذ فهو في نظر القائمين على المكتبة فوق مستوى إدراكهم، لذا عليها أن تعيد الكتاب إلى حيث كان، وأن تواصل مطالعتها لكتب أحمد نجيب ونجيب الكيلاني، وغيرهما ممن يكتبون لليافعين.
 كانت كلما توجهت لزيارة أسرة والدتها بمدينة السنبلاوين في محافظة الدقهلية، تطالع في الطريق مدخلا عملاقا كتب عليه “مرحبا بكم في طماي الزهايرة.. مسقط رأس كوكب الشرق”، فسألت نفسها، أنا أعرف كواكب المشترى وزحل وأورانوس ونبتون وبلوتو، لكن ما هو كوكب الشرق هذا؟!، ثم توجهت بالسؤال لوالديها اللذين راحا يشرحان لها أن فتاة طيبة من أسرة بسيطة أخلصت لفنها فأجادت الغناء وأبدعت فيه، ولما ذاع صيتها لقبوها بـ”كوكب الشرق”، اسمها فاطمة واشتهرت باسم “أم كلثوم”.
 كانت تعرف أن أعظم مغنية في مصر والوطن العربي اسمها أم كلثوم، كان صوتها الشجي يصلها من المذياع دائما، لكنها لم تكن تعرف من قبل وصف “كوكب الشرق” هذا، فقالت لنفسها: لا بد أن أم كلثوم هذه قرأت كتاب سلامة موسى “المرأة ليست لعبة”. ارتبطت بسمة شعبان أكثر بالمذياع، ووقر في ذهنها الطفل أن هذا الجهاز السحري يصنع النجوم، فراحت تلازمه ليل نهار، تستمع إلى برامجه وكلما أعجبتها أغنية راحت تدون كلماتها على الورق وتعيد قراءتها مرات ومرات حتى تحفظها، وما زال هكذا دأبها حتى تشكلت ذائقتها وأصبحت لديها أذن موسيقية.
 شيئا فشيئا وجدت نفسها تكتب كلمات –تحسبها حينئذ- أغنيات، كتلك التي يبثها المذياع عبر أثيره ليل نهار. يوما بعد يوم يتبدل أداؤها وتضيف إلى تجربتها، لتنطلق بأول نص شعري حقيقي في الصف الرابع الابتدائي، ولكم كانت فرحة معلميها بذلك النص كأنما كتبته نازك الملائكة أو مي زيادة، وجدت كل تشجيع وترحيب وبدأت زميلاتها يحفظنه بيتا بيتا، لكن الفتاة الخجولة التي تسكنها تمنعها من حضور لحظة تكريم لها في طابور الصباح لتميزها الإبداعي وحصيلتها المعرفية، طفلة ترفض تكريمها حتى لا تواجه جمهورا، هو في الأصل زميلات لها وزملاء وأساتذتها.
 ومضت السنوات، يشجعها أساتذتها، بينما تخفي تجربتها الإبداعية مخافة أن تتهمها أسرتها بإهمال دراستها لحساب موهبتها وهوايتها، وما إن حصلت على الثانوية العامة حتى تحول خجلها إلى مارد يوشك أن يخرج من القمقم معلنا تمرده على كل ما يعيق الموهبة التي استوت على سوقها فأمرت قوافي حان وقت قطافها، فحاولت دخول إحدى الكليات العسكرية، ولما لم تتمكن حاولت الالتحاق بكلية التربية الرياضية، لا سيما وأنها خلال المرحلة الثانوية كانت تختلف إلى التدريب على رياضة الكونغ فو، لكنها أخفقت، فكانت كلية الآداب أقرب قنوات التنسيق إلى مجموعها، وهنا توقفت لتختار تخصص الجغرافيا، آملة بذلك أن تجيب عن أسئلة تعتمل في ذهنها كثيرا مذ كانت طفلة، لم تجد جوابها، أبرز هذه الأسئلة: ماذا قبل نشأة الكون؟! السؤال على غرابته يفتح أبواب المعرفة، ويحفز على البحث والتدقيق والاستكشاف.
 في الجامعة، وجدت بسمة شعبان فسحة وبراحا، فبدأت تعلن عن إبداعها دون قيود، وعرفت بين زملائها باسم “شاعرة الجامعة”، وذاع صيتها حتى بلغت أخبارها الدكتور أحمد عبد الحي أستاذ اللغة العربية وآدابها، فتبنى موهبتها وراح يدعمها، وفي أحد الأيام أخبرتها إحدى زميلاتها أن قريبا لها يقيم صالونا أدبيا في قرية القرضا جنوبي مدينة كفر الشيخ، وأنها تحدثت إليه عن موهبتها فطلب منها دعوتها لحضور الصالون، وهناك في جمعية أصدقاء صالون القرضا التي أسسها ويرعاها الروائي الكبير والمقاتل المبدع أحمد ماضي منذ عام 2000م، رأت بسمة شعبان الإبداع كما يجب أن يكون، وفوجئت بأستاذها د. عبد الحي واحدا من رواده، إلى جانب كبار المبدعين من مصر والعالم العربي أحمد عبد المعطي حجازي، محمد محمد الشهاوي، إيهاب البشبيشي، مصباح المهدي، السعيد قنديل، سامي محجوب.. وغيرهم الكثيرين.
وكما كان الصالون جواز مرورها إلى عالم الإبداع الحقيقي، أرشدوها هناك إلى نادي أدب كفر الشيخ فراحت تختلف إلى ندواته الأسبوعية التي كانت تقام في آيام الآحاد، والتقت بالكثيرين د. طه هنداوي، مصطفى أبو هلال، السيد حافظ الزيني، صبحي سعيد، أحمد فؤاد هاشم، أحمد زكي شحاتة، إسماعيل شتا، عمرو عامر، ابتسام شعبان، أميمة إسماعيل، علي حنيش، السيد غازي.. وغيرهم، كما تأثرت بالمبدع الكبير الراحل إبراهيم عبد المقصود الرفاعي، وتعرفت إلى صديقة عمرها فوزية الباز التي كانت سفيرا لها إلى صالون القرضا حين لا تتمكن من حضور الصالون، فكانت فوزية تحمل قصائد بسمة تعرضها على المبدعين الكبار، ثم تعود لتبلغها بآرائهم فيها.
 ثم أعلنت جريدة كفر الشيخ، من خلال صفحتها الأدبية التي كان يشرف عليها الأديب والصحافي مصطفى العافي عن مسابقة كبرى فشاركت بقصيدتها “نسيت الزمن” وحققت مركزا متقدما. وبعد 4 سنوات من الدراسة، وجدت نفسها تحمل في إحدى يديها شهادة تخرجها وفي الأخرى أوراقها ومسودات قصائدها آملة في الانطلاق إلى عالم أكثر رحابة، وبقيت تكتب لنفسها، تتردد على عملها في الصباح معلمة للجغرافيا، ثم تعود إلى البيت تحتضن أوراقها وتبثها لواعج قلبها أبياتا شجية، حتى وقعت الواقعة حين علمت بنبأ انتحار إحدى زميلاتها أحست أن عجلة الدنيا توقفت عند هذا الحد، فاعتزلت الكتابة والناس لسبع سنوات كاملة.
 بعد انتهاء السبع العجاف بدأت تتردد مجددا على الملتقيات الأدبية، لتكتب: “ أنا جانى الشعر لحد الروح/ وفتح لى هاويس الحرف ونام/ جن جنونى أنصب له مقام/ لميت الورد ورصيته/ تكعيبة حب ترد القلب/ وتجري الخمرة ف شرياني/ عصافير الجنة بلون الحنة/ تزقزق من فوق بستاني/ السما كالزهر مندية/ بسحاب كرانيش” إلى آخر قصيدة العودة التي أطلقت عليه اسم “مقام الروح”، ووجدت من يشجعها على الترشح لرئاسة نادي أدب كفر الشيخ وخاضت التجربة ليحالفها التوفيق وتقدم دورة مميزة، تم اختيارها خلالها نائبا لرئيس نادي الأدب المركزي. رئاسة فتاة لنادي الأدب، كانت تجربة غير تقليدية تحدث لأول مرة في كفر الشيخ، واختيارها نائبا لرئيس النادي المركزي كان عملا غير مسبوق، لذلك وجدت أن عليها الاجتهاد والسعي لـ”إثبات وجودها الإنساني والاجتماعي بالعمل والإقدام”، كما دونت منذ سنوات في مفكرتها الطفلة، حين طالعت لأول مرة كتاب سلامة موسى “المرأة ليست لعبة”.
 وتمضي السنوات وتعلن وزارة العدل عن مسابقة لأبناء العاملين، ووجدت إلحاحا من الأسرة في التقدم للمسابقة وترك التدريس، ولم تفلح محاولاتها في الرفض فخاضت التجربة يملؤها الأمل أن ترسب في المسابقة لكن النجاح كان حليفا لها أيضا هذه المرة – على غير رغبتها- لتنتقل من العمل في التربية والتعليم إلى النيابة العامة.
 تجربة بسمة شعبان في العمل بالنيابة العامة، أكسبتها ملكات خاصة وسمات ساعدتها كثيرا في صوغ منتج أدبي مختلف بعد ديوانبها “عطش السنين”، و"أول بشاير ربنا" راحت تسطر ديوانيها “صلاة القهر”، و”مقام الروح” بمفردات جديدة وتراكيب مغايرة ربما كان السبب فيها تحولها إلى العمل في وزارة العدل وتعاملها مع جمهور مختلف من نوع آخر.
 كما تعكف بسمة شعبان على كتابة رواية لروح صديقتها التي توفاها الله في حادث الانتحار الذي أثر في بسمة وتأثرت به. وفي نهاية دورة نادي الأدب 2020م، وجدت إلحاحا من المقربين بضرورة الترشح مجددا لرئاسة النادي، وتصادف أن مشرف النادي في هذه المرة سيدة، هي فاطمة الشحات، بالإضافة إلى الفنانة د. جاكلين بشرى كمدير عام للثقافة ما زادها إصرارا على خوض التجربة للمرة الثانية من أجل تقديم نموذج ناجح لتجربة نسائية متكاملة، حازت على إعجاب الجمهور.


إرسال تعليق

أحدث أقدم