في أقصى شمال الدلتا، وعلى الشاطئ الشرقي لفرع نهر النيل الذي يفصل بين محافظتي كفر الشيخ والبحيرة، وذات ليلة مقمرة فوجئت الشابة “مبروكة” بحركة غير عادية في منزل أسرتها الكائن بإحدى قرى مطوبس في محافظة كفر الشيخ، سألت أمها عن سر هذه الجلبة في الدار ومن هؤلاء الضيوف الذين اختلوا بأبي في المندرة وكأنهم يتحدثون حول سر حربي، فغمزت لها الأم بطرف عينيها قائلة: “جالك العدل يا حبيبتي”، أحست مبروكة التي لم تبلغ السادسة عشرة بعد بقلبها يدق، وراحت تسرح بخيالها متسائلة: ترى من يكون هذا الفارس؟!
برشاقة الغزال، راحت تصعد درجا طينيا إلى سطح الدار، محاولة استراق السمع
لتكشف عن شخصية فارسها، لكنها لم تنجح، فراحت تحدق إلى أعلى فرأت القمر بازغا فبدأت
تناجيه، وتحكي له أمنياتها وما يدور بخيالها حول مواصفات فارس الأحلام.
بعد ساعات طوال، خرج الضيوف، فبدأت تنظر من فوق السطح علها تعرف أيا منهم
فبهرها شاب عريض المنكبين منتصب القامة يمشي بين أقاربه كالفارس، يرتدي جلبابا إفرنجيا
يلمع بياضه في ضوء القمر، فأحست بالراحة.
هرعت إلى غرفتها، لتجد عمتها وأمها وجدتها يؤكدن عليها بضرورة الاستعداد لحفل
خطبتها مساء يوم الجمعة المقبل، وراحت النسوة تحيك لها ثوب الحفل ويتبارين في تزيينها،
وما إن حل الموعد حتى التفت حولها النساء من العائلتين ورحن يغنين «أنا وأنت هنا للصباح..
وما أحلى ركوب الخيل البيض»، بينما كان الرجال في المندرة يحيون العريس ويهنئونه بالعروس
الجديد.
شهران مرا على هذا النحو، وحين حل موسم جني القطن، دقت الطبول في القرية الصغيرة
إعلانا لزفاف إبراهيم ومبروكة، اللذين انتقلا للعيش داخل غرفة من الطوب اللبن في منزل
عائلة العريس بعد أن زينوا جدرانها بخطوط الجير الملون.
لم يدم الوفاق بين الزوجين كثيرا، إذ سرعان ما انعكست الأحداث السياسية التي
تمر بها مصر على الحالة الاقتصادية لكل الناس، وبدأ الجميع يتملصون من مسؤولياتهم،
وكان العراك والمشاجرات عنوانا لحياة هذين الزوجين التعيسين، ولم يجدا خلاصا من أزماتهما
اليومية سوى بالانفصال، ولكن كيف فمبروكة حامل؟
العقلاء من العائلتين وجدوا أن الضرر الحاصل من ولادة طفل لأبوين مطلقين سيكون
أقل كثيرا من استمرارهما معا في بغضاء ومشاحنات يومية، فكان الطلاق.
وحين جاءها المخاض وضعت طفلا اختارت له اسم “علي”، تيمنا بالاسم، راجية أن
يرتقي مكانة علية يوما ما، ولم تجد مبروكة خفاجى مفرا من النزوح مع أسرتها إلى الإسكندرية،
علها تجد عملا يعينها على تربية طفلها.
هي امرأة ريفية لا تجيد أي صناعة، لكنها وجدت في تجارة الزبد ومنتجات الألبان
مخرجا من ضيق ذات اليد، وقررت أن تفعل ما بوسعها لتعليم طفلها، حيث رأت وهي السيدة
الأمية أن المستقبل للعلم والمتعلمين، وقد كان علي إبراهيم يساعدها على ذلك حيث كان
دائما موضع إعجاب مدرسيه وأساتذته وذلك لتفوقه وحسن خلقه.
في مدرسة رأس التين الابتدائية بالإسكندرية تخرج علي إبراهيم وكان ترتيبه
الأول بين زملائه، وما إن علم الأب بنبأ نجاح ابنه، حتى طلب ضمه إليه، لكنها استطاعت
الهرب به من الإسكندرية إلى القاهرة أملا في الاختفاء وسط زحام العاصمة حتى يستكمل
الابن دراسته، فألحقته بالمدرسة الخديوية وظلت تكافح من أجل ذلك الهدف حتى استطاع الفتى
النجيب دخول مدرسة الطب عام 1897 وتخرج فيها عام 1901م.
تتلمذ علي إبراهيم، على يد الدكتور محمد باشا الدري شيخ الجراحين في الجيل
السابق ل علي إبراهيم، والدكتور محمد علوي باشا أول الباحثين في أمراض العيون المستوطنة،
وفي السنة النهائية بكلية الطب عين علي إبراهيم مساعدا للعالم الإنجليزي الدكتور سيمرس،
وهو أستاذ الأمراض والميكروبات، وتقرر له راتب شهري عن وظيفته هذه مما أكسبه خبرة وتدريبا
قل أن يتوافر لطالب.
وحدث أن أصيب السلطان حسين كامل بمرض غامض حير الأطباء علاجه، فاقترح البعض
اسم الدكتور على إبراهيم، الذي استطاع تشخيص المرض على أنه سرطان وأجرى جراحة خطيرة
للسلطان جاءت نتائجها مبهرة، ليتم تعيينه جراحا استشاريا للحضرة العلية السلطانية وطبيب
السلطان وكذا حصل على رتبة “بك”، وفي عام 1922 منحه الملك فؤاد الأول رتبة “باشا”،
ليتولى عمادة كلية الطب كأول مصري في هذا المنصب عام 1929، ثم تولى وزارة الصحة عام
1940، وفي العام التالي عين مديرا لجامعة فؤاد الأول وأسس في نفس السنة نقابة الأطباء
ليصبح أول نقيب لأطباء مصر، كما ينسب له الفضل في كونه أول من فتح الباب أمام الفتيات
المصريات لدراسة الطب.
من كتاب «موسوعة الرائدات» لأحمد زكي شحاتة أبو جبل - الطبعة الأولى 2022م
