أحمد زكي شحاتة يكتب: «أفضل من الهضبة»!.



أضواء النيون المدهشة.. أفيشات الأفلام.. إعلانات المتاجر الكبرى.. وباعة متجولون يفترشون الأرض يدللون على بضائعهم، بينما عَمِدَ آخرونَ إلى تسجيل صيحاتِهم على شريط كاسيت ليتولّى الإعلان عن البضائع.. كل هذا في الليل، فما أبهى العاصمة، خلايا نحل وأفواج من جراد منتشر في شوارع لا تنام تصلُ الليل بالنهار كـ«عيون السواقي» قديمًا في قريتي، يلاحق بعضُها بعضًا بلا توقف.
كانت إعلانات ألبوم عمرو دياب الجديد، أبرز ما يحتل الحيطان وأسوار الكباري، على الفور تذكرتُ «مانشيت» عريضًا لإحدى أبرز المجلات الفنية قبل سنوات يقول: «عمرو دياب: نزلت القاهرة لأول مرة ببنطلون واحد وقميصين»، أَعَدْتُ إحصاءَ محتويات حقيبتي سريعًا –من الذاكرة- لأجدني أمتلك ثلاثة بناطيل وخمسة قمصان.. إذن أنا أفضل من «الهضبة» عندما نزل القاهرة لأول مرة قادمًا من بورسعيد، فشعرتُ بالزهو ورأيتُ انعكاس صورتي على الإسفلت في ضوء النيون كـ«ديك رومي» يختالُ بريشه المنفوش، وحمدتُ الله أنني لم أصل مرحلة الطاووس بعد، فالديك يكفيني.
خرجتُ من محطة مترو «ضواحي الجيزة»، وقبل أن أبحث عن وسيلة تُقلّني إلى وِجْهَتي في السكن المشترك الذي اتفقتُ عليه مسبقًا بمنطقة الكنيِّسة في حي الطالبية، كانت لديّ مهمة لا بد من إنجازها، أو فلنقل إنها رغبة أو أمنية عليَّ تحقيقها، كانت أقصى أمنياتي وقتها أن أتناول «كوب شاي مغلي» فألقيتُ بجسدي المنهك من وعثاء أربع ساعاتٍ متواصلة فوق أول مقعد في أقرب مقهى بلدي صادفني، وقبل أن يصل النادل بالمطلوب، راجعتُ ذاكرةَ الهاتف واستخرجتُ رقم الأستاذ «فكري كمون» لأدوِّنَه في وريقة صغيرة –وهي عادة تلازمني حتى اليوم أحتفظ دائمًا بقاعدة بيانات إضافية- تحسبًا لأي طارئ.
أمسكت بالورقة، وكلما هممت أن أتصل بالرجل تراجعت، وسألتُ نفسي: ماذا عساني أن أقول له في هذا الوقت المتأخر.. الرجل لا يعرفني، ثم.. ثم ماذا أطلب منه.. لديّ عمل من المفترض أن أنتظم فيه اعتبارًا من صباح الغد، وفي حافظتي ما يكفي من نقود لإعاشتي شهرًا كاملًا، ولديّ سكنٌ به رفاق محترمون ينتظرون وصولي ولم تنقطع اتصالاتهم منذ تحركت بي الحافلة من كفر الشيخ.. إذن لنؤجلَ الاتصال إلى وقت لاحق.. حتمًا سأتصلُ إذا صادفتني عراقيل... وللحديثِ بقية.


Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne