أحمد زكي شحاتة يكتب: «على قارعة الحواديت».. حكايا الجدات ومرايا الأزمنة

 




كثيرًا ما أسمع عبارة «حواديت جدتي»، لكني لا أذكر من ملامح جدتي سوى تجاعيد وجهها وسجادة الصلاة وإفراطها في الذكر والتسابيح أمّا عن الأحاجي والحواديت وحكايا ليالي الشتاء التي لطالما تقصها الجدّات على أحفادهن فلا ذكر ولا ذكرى لها في علاقتي بتلك العجوز التي كانت تحتفي بي كثيرا دون بقية أحفادها.

أمي -رحمة الله عليها– والتي تنتمي إلى نفس عائلة جدتي لأبي كانت تتمتع بخيال خلّاق استطاعت من خلاله التحايل على الواقع القاسي ونسج عالمٍ موازٍ لتنجح في الدفع بنا – أنا وإخوتي- كي نحيا خلاله، حتى إذا ما تفتّح وعيُنا كانت لدى كل منا حصيلة كافية –إلى حدٍ كبيرٍ- للتعرف على الواقع اتكاءً على موروث حكاياها.

في الحقيقة، هي معادلة صعبة، وجدت نفسي أمامها مجددًا حين تصفحتُ –لأوّل مرة- مجموعة الدكتور طه هنداوي القصصية «على قارعة الحواديت»، في القراءة الأولى لم أنتبه للإهداء الذي يتصدر المجموعة، لكنني أدركت ماهيته ومغزاه في القراءة التالية مباشرةً، يقول فيه «إهداءٌ لكل مَن يجد لنفسه نصيبًا ممّا فيها»، والحقّ أقول أنني وجدت لنفسي نصيبًا من المجموعة منذ القراءة الأولى - سبق وأن كتبتُ عنه- إلى الحد الذي ظننت معه أنَّ أحدَ أقاربي قصَّ عليه ما كان من أمري حين ذهبت لخطبة فتاة، فوجدتني أجلسُ إلى جوار عريسٍ آخر، بينما يقول لها والدها: اختاري أيهما شئتِ!

الواقعة بحذافيرِها، حدثت لي شخصيًا، ولولا أن الدكتور طه أرّخ في الهامش لكتابة قصة «عروستي» قبل الواقعة بعشر سنواتٍ كاملة لظننت أنني هو.

في كثيرٍ من قصص المجموعة، لا تاريخ للأحداث ولا أسماءَ بعينها، لكنَّ القارئ باستطاعتِه أن يكتب التاريخ ويضع الأسماء اتكاءً على الوصف كأنه يشاهد عرضًا مسرحيًا قصيرًا، كما أنّ كثيرًا منها لا يحقق الدهشة المطلوبة للعمل الأدبي، لكنه يجرُّ المتلقّي جرًّا لمواصلةِ القراءة إعجابًا بالصور وبالتراكيب اللغوية التي وصلت حدَّ الفرادةِ في عددٍ غير قليلٍ من قصص المجموعة، من بينها «كأنه هووووو»، «على قارعة الحواديت»، «حنين»، «أثر»، «المحار»، «سائر إلى...»، ... إلخ.

«على قارعة الحواديت» وقفتُ أُطالِعُ «حواديتَ أمٍّي» وأستعرضُ ما يحكيه الآخرون عن «حكايا الجدّات» التي أجدُ بعضَها كأنما كُتب خصيصًا ليسامر به د. هنداوي، الطفلَ الكامنَ داخل كلٍ منّا –مهما بلغ عمره – ككقصتي «الفأر العجوز» و«مع سبق الإصرار» اللتين تصلحان للكبار والصغار معًا، كأنهما تعويذة خاصة –جدًا- لاستحضار البعيد الساكن بين ثنايا الذاكرة.

وتأتي قصتا «معجزة» و«الكرسي»، وكأنما تعمّدَ الكاتبُ أن يبث من خلالهما قواعدَ تربوية ودعوة إلى الإصرار والتشبث بالأمل حتى آخر لحظة، رغم النهاية المختلفة لكلٍ منهما، وتنضم إليهما في الهدف ذاته قصة «بسمة».

وتمضي بقية قصص المجموعة، تبث لواعج خاصة حول فراق الأم والخروج –مرغمين- من فراديسها، وأغاني للحياة تجتمع في سيمفونياتٍ بهية، ومواقف حياتية عادية جدا ومألوفة للغاية لكنه استطاع تنضيدها لتصطف كحبّات لؤلؤٍ تجذبُ القارئَ لا لشيءٍ سوى لأنه يرى فيها ذاته، كأنها مرآة -مقعرة أحيانًا ومحدبة في أحايين أخرى- مثل «زيارة عائلية»، و«طقوس»، و«نفور»، و«تتابعات» التي تشكل فيما بينها مَرايا عامة لشرائح مختلفة في المجتمع.

قصتان مدهشتان في نهايتِهما –إلى أبعد حد- «هيستريا» و«مَثنى وثُلاث ورُباع»، تبلغُ ذورة الدهشة في الكلمة الأخيرة من السطر الأخير في كلٍ منها، بينما يتجلّى التفرد الحقيقي في التلاعب بالمفردات كما في قصة «دابة تأكل مِنسأتَه» التي تذكّرنا بشخصية «
عايش سعيد» التي جسّدها الراحل محمود عبد العزيز في فيلم «أبو كرتونة» الذي تم إنتاجه للسينما عام ألفٍ وتسعمئةٍ وواحدٍ وتسعينَ، وقصة «القبلة»، التي تمضي طوال سطورها معتقدًا أنها «القُبْلة» لتكتشف في النهاية أنه ما قصد إلّا «جهة القِبلةِ» التي نُيمم وجوهنا شطرها في الصلاة.

وأخيرًا، العناوين الأربعة الأخيرة في المجموعة تصطف تحتها عدة قصص قصيرة جدا، كان أروعها ختامها: «
افترق مجْمعُ البحرين، مات الخضر، فأصبح الحوتُ فارغًا».
 
أحمد زكي شحاتة أبو جبل



إرسال تعليق

أحدث أقدم