خصوصية التعبير في سيدي سالم.. المفردات اللغوية بين استخدامات العامة والتناول الأدبي

السيد هاشم: سيدى سالم إحدى المناطق المتميزة في شمال مصر من جهة موقعها وتنوع أنشطتها بين الفلاحة والصيد والصناعات اليدوية والتجارة والسياحة البحرية، لهيمنتها على مساحة لا بأس بها من بحيرة البرلس التي تقع في الشمال منها، وكذلك السياحة الدينية التي ترتبط بضريح العارف بالله سيدي سالم أبي جبارة الحسيني الهاشمي، والتي اكتسبت اسمها من اسم صاحب المقام الشريف.

من ناحية التقسيم الجغرافي تتوزع بين الشرق والغرب ولكل منهما طبيعته الخاصة،  ممَّ أكسبها وفرة وتنوعاً في مفردات اللغة من حيث التداول والتوظيف.

وشكلت وفرة المفردات وتنوعها ذلك البحر الوافر الذي ينهل منه أدباؤها من شرقها وغربها ليبتكروا صوراً و ليبدعوا أدباً وشعراً بنكهة خاصة وذوقٍ فريد.
من أبرز شعرائها، السعيد قنديل، المولود في قرية الحدادي في منتصف العقد السادس من القرن العشرين فى أسرةٍ بورجوازية بمقاييس العصر،  فقد كان والده الشيخ عبدالسلام قنديل أحد ملاك الأراضي وتاجراً للماشية، كان السعيد في سنوات صباه الأولى يرافق أباه الشيخ عبد السلام إلى الأسواق- بكل ما تذخر به من صنوف المعاملات منها ما يطيب به خاطر الصبي،  ومنها ما يصدم قلب ونظر الصغير- إلا أن أباه كان يحرضه على تحري الصدق واختيار مفردات لغته التي يكسب بها حب من حوله.

ارتبط شاعرنا منذ صباه بالأرض يساعد في فلاحتها ورعاية نبتها ومراقبة نموه حتى جنيِه أو حصاده ثم بيع الفائض وتخزين اللازم للاستهلاك المنزلي حتى نهاية العام  .

التحق شاعرنا رغم تفوقه الدراسي بمدرسة الزراعة حباً ورغبةً في تنمية مهاراته واهتماماته بالنبات والحيوان.

وإن المطالع لإبداعه يكتشف أنه أمام عاشق متيم بمفردات بيئته، هذا العشق جعل منه خبيراً مثقفاً معنياً بكل ما حوله.. كثير الترحال والتنقل بين كفور ونجوع وحضر مصر، فاحتك بالشعراء والأدباء من بقاع مصر كافة..  فلاحين وبدو في بحرى وقبلي..  فتشرَّبَ لهجاتهم وتعرف على مفرداتها وأدواتها.

عمل شاعرنا بالصيد وتعرف على أدواته وأساليبه،  وجرَّ اللبان بالمركب التي تقله سروحاً ورواحاً، وبات لياليه في أكواخٍ من بوص وأكل من صيد يده.

قرأ قنديل أمهات الكتب فأصبح له أسلوبه المتميز الذي كسا حُلَّة قصائده فلم تتشابه مع غيرها.
كانت أرياف سيدي سالم قديماً تمتاز ببساطة العيش،  وإن شئت فقل شظف العيش للغالب الأعم من الناس والذين يفلحون الأرض للأغنياء منهم أو يرعون مواشيهم، أما الفئة الثرية من الناس فغالباً ما كانت تعمل في التجارة وتستثمر في تربية الماشية، وكلا الفئتين تسكن داراً تختلف في طبيعتها ومكوناتها عن الأخرى رغم اتفاقهما في قواسم ومسميات مشتركة.

  وقد تكون الفروق واضحة بشكل جلي حين يرتبط الأمر بأنشطة مواسم الحصاد أو الشراء من محلات أو صناديق البقالة أو الأعمال اليدوية الخدمية كنجار السواقي أو الزيانة أو ضرب الطوب اللبن أو اللياسة قبل حلول موسم الشتاء أو التنقل بغرض زيارة الأقارب في موسم التحاريق حين تجف الترع من مياه الري بهدف تطهيرها.

سلوكيات وأنشطة في صور غابت عن حاضر وأنظار الأجيال الحالية حتى فيم يتعلق بالأعراس والمآتم والانتخابات والبناء، ولكلٍ مفرداته التي ارتبطت بالعادات المتبعة في ذلك الزمان.

  في هذه السلسلة من المقالات نحاول أن نبين المفردات اللغوية المستخدمة في العصر القديم والتي تركت آثارها في وجدان الشعراء والأدباء فوظفوها في أعمالهم الأدبية حسب طبيعة كل مجال وما يقابله من فن.

سأصطحبكم معى إلى الدار أهلاً بكم، ولنتخيل أننا في زيارة إلى متحف من متاحفنا الزراعية الأثرية:

الدار مبنية بالطوب اللبن (الطين)، ومتبيضة (مطلية) بجير أبيض لم يمسه لون، وعلى واجهة الدار مرسوم بألوان الجير بفرشاة لفنان من القرية سَبْعٌ ممسك بسيف،  وتحت الصورة مكتوبٌ (ألف مبروك)، هذا يدل على أن الدار بها عريس وأمام واجهة الدار مصطبتان كبيرتان كأنهما كنبتان نستقبل عليهما الضيوف المعتادين للسامر كل ليلة.
هاتان المصطبتان تفرشان بحصير معد خصيصاً،  من صناعة حصري القرية بعد أن سلمناه أعواد "السمر"  المعطون فى الماء لأكثر من يوم،  وكان قد تكفل بتقطيعه من على "ريشة القناية"  الأولاد الصغار وقاموا بتنشيره وتقليبه حتى يجف ثم يلي ذلك عملية "العطن" (النقع في الماء) ويُسلم للحصري لصناعة الحصير، وهي من المهن التي اندثرت.

 

يتوسط واجهة الدار مدخل عليه باب خشبي كبير ذو ألواح سميكة بارتفاع مترين ونصف تقريباً، يُفتح على الجانب الأيسر في العادة، مفصلته عِرْق خشب أطول من مقاس الباب من الأعلى ومن الأسفل محكوم بدائرة من الحديد يتحرك بها الجزء المبروم من العِرْق ملفوف عليها قطعة من جلد البقر تُلَيَّنُ بالزيت أو الشحم لتسهيل حركة الباب، و الباب نفسه يتوسطه باب صغير يفتح بشكل مستقل له مفصلات حديدية ومثبت عليه من جهة الشارع مطرقة حديدية مصنوعة بفن وذوق على شكل قبضة يد بشرية من الظاهر، وتحتها قاعدة حديدية تناسبها للطرق عليها بهذه القبضة.
  الباب الخشبي الكبير يستخدم لدخول البهائم والجِمال حتى لو كانت تحمل أحمالاً، والباب الصغير يسمى "خوخة" لمن أراد أن يدخل من أهل الدار ولمن أريد إدخاله من الضيوف إلى "المندرة"  في صدر الدار.

فى الحلقة القادمة سندق باليد الحديد على الخوخة ليؤذن لنا ولنتجول بداخل الدار للتعرف على محتوياته..
انتظرونا في العدد القادم..




إرسال تعليق

أحدث أقدم