أدباتية: في الوقت الذي كان
فيه مؤرخ الحضارات الأميركي الشهير "وِلْ ديورانت" يخط ريشته واصفاً حال
أوروبا في القرن العاشر الهجري (الـ16م)، كانت الصورةُ صادمةً لمن اعتاد رؤية
"باريس" المعاصرة كمدينة للأنوار. يسجل ديورانت في موسوعته "قصة
الحضارة" حقيقة مذهلة؛ وهي أن المدن الفرنسية، وفي مقدمتها العاصمة باريس،
كانت غارقة في ظلام مُطبق ليلاً، تفتقر لأبسط نظم الإضاءة، وهو الحال الذي لم
يختلف كثيراً في المدن الإيطالية الكبرى.
لكن، على الضفة الأخرى من التاريخ والجغرافيا،
كانت الحواضر الإسلامية شرقاً وغرباً تكتبُ فصلاً مغايراً تماماً؛ فبينما كانت
أوروبا تتعثر في عتمتها، كانت شوارع بغداد وقرطبة والقاهرة تزدان بالأنوار ليلاً،
وتتفيأ بظلال العمران المنضبط في هاجرة النهار.
لم يكن نشوء المدينة في الوعي الإسلامي وليد
الصدفة، بل كان قراراً استراتيجياً انطلق مع "المهجر النبوي". لقد أدرك
المسلمون الأوائل أن قيام دولة مركزية كبرى مرهونٌ بالتحضر، فكانت الهجرة نحو
"المدينة" إرشاداً نبوياً يهدف إلى كسر نمط الشتات الصحراوي وتكريس
مفهوم "الاستقرار المبدع".
منذ اللحظة التي حطّ فيها النبي ﷺ رحله عن ناقته
"القَصْواء"، بدأ رسم ملامح "المدينة النموذج". لم تكن مجرد
تكتل سكاني، بل كانت هندسة اجتماعية وعمرانية فريدة؛ حيث التوأمة بين
"المسجد" كمركز للروح والإدارة، و"السوق" كمحرك للاقتصاد، مع
دمج المهاجرين والأنصار في "مؤاخاة" تجاوزت العصبية القبلية لتؤسس لـ
"مجاورة مدنية" غير مسبوقة.
تجلت عبقرية المدينة الإسلامية في توظيف
"الإنسان والعمران والإتقان" لتحقيق غاية جمالية ووظيفية تبادلية.
فالمسجد لم يكن بناءً معزولاً، بل منارة تشرف على شوارع ممهدة، رُوعي في تخطيطها
"رفع الأذى" باعتباره شُعبة من شُعب الإيمان وقيمة عمرانية عليا.
ولم يقف الرقي عند حدود الطرقات، بل امتد لـ
"عصب الحياة"؛ حيث جرت المياه النظيفة عبر أنظمة معقدة من الأسبلة
والنوافير، تديرها طوائف من "السقّائين" في منظومة خدمية تضمن كرامة
الإنسان وصحة المكان.
رغم أن العديد من المدن الإسلامية الكبرى
كالفسطاط والبصرة والكوفة نشأت في البداية ببعد عسكري كـ "أمصار"
للفتوح؛ إلا أن "الروح المدنية" سرعان ما هزمت النزعة العسكرية. تحولت
هذه القواعد العسكرية إلى مرافئ للفكر، وحلقات للعلم، ومنتديات للأدب، ومن رحمها
برز الأئمة في كل تخصص، ودُونت المعارف التي أنارت للبشرية دروبها.
ومع تطور الدولة، تحولت الأسواق وورش الصناعة إلى
ركائز للعمران؛ فنشأت "مصفوفات" من المرافق العامة، والدوائر الحكومية،
والمؤسسات الصحية التي جعلت من المدينة الإسلامية بوتقة انصهرت فيها الثقافات
والديانات والأطياف في تعايشٍ فريد.
المتأمل في نسيج المدن الإسلامية، من نيسابور إلى
فاس، يلحظ "عقلاً هندسياً مركزياً" وراء هذا المعمار. ورغم التنوع
الجغرافي، إلا أن هناك "وحدة روح" واتساقاً جمالياً يجمعها.
هذا التناسق لم يكن فرضاً سلطوياً بقدر ما كان
فعلاً عفوياً، نابعاً من تشبع المعماريين بمرجعية ثقافية إسلامية واحدة، ترجمت
القيم الإيمانية إلى دلالات معمارية. وتلك باختصار هي قصة العمران الإسلامي؛ قصةٌ
ترويها المآذن والممرات المضاءة، كشاهدٍ حي على حضارةٍ لم تعرف الظلام حين كان
العالم يتلمس خطاه في العتمة.
.png)