فنان الشعب وعبقرية الزمن المبتور

 


أدباتية: ثمة مفارقة قدرية تثير الشجن في تاريخنا الموسيقي، ففي عام 1892 أهدى القدرُ مصرَ عقلين موسيقيين غير مألوفين: سيد درويش ومحمد القصبجي.
وبينما رحل درويش في ريعان النبوغ عام 1923 تاركاً خلفه «انفجارًا» فنيًا زلزل أركان التخت القديم في سنوات معدودات، امتد العمر بالقصبجي حتى عام 1966، ليعيش مراحل انكسار الشعلة الإبداعية ويتحول من رائدٍ للتجديد إلى عازفٍ صامت في حضرة «الست
».

 

إن التأمل في مسار سيد درويش يجعلنا أمام تساؤلٍ يغزو الخيال: ماذا لو لم ينقطع خيط حياته مبكرًا؟ لو عاش درويش حتى الستينيات، لعاصر نضج أم كلثوم، ولربما صاغ لها ألحانًا تسبق عصرها بعقود، ولشهدنا صراعًا عبقريًا بينه وبين شابٍ طموح اسمه عبد الوهاب، الذي «هضم» مدرسة درويش وبنى عليها مجده.

 

لو امتد عُمر «فنان الشعب»، لتحولت الأوبريتات والمسرح الغنائي إلى صناعة تضاهي «برودواي» في نضجها، ولرأينا خياله الوثّاب يقتحم عالم الموسيقى التصويرية للسينما، ولربما تغيرت بصمة عبد الحليم حافظ ونجاة تحت عباءة ألحانه التي كانت تملك سر «الخلود الشعبي».

 

لقد صنع درويش ثورة في ست سنوات، فما بالك لو حظي بأربعين عاماً إضافية؟ لكان الخيال الموسيقي العربي اليوم في منطقة مغايرة تماماً، ولظل القصبجي ورفاقه يدورون في فلك شمسٍ لا تغيب، بدلًا من الاكتفاء باجترار أطلال مدرسةٍ لم يكمل صاحبها رسم ملامحها النهائية.



إرسال تعليق

أحدث أقدم