الأزمات الثقافية في الوطن العربي.. كيف واجه المبدعون القيود المؤسساتية

 



أدباتية: لم تكن العلاقة بين المبدع والمؤسسة الثقافية في الوطن العربي علاقة مستقرة أو متوازنة عبر التاريخ، بل اتسمت في كثير من مراحلها بالتوتر والصدام، وصولًا إلى أزمات كبرى كشفت هشاشة حرية التعبير وحدود المسموح والممنوع داخل الفضاء الثقافي الرسمي. فمنذ نشوء الدولة العربية الحديثة، ظل الإبداع ساحة اختبار مستمرة لمدى تقبّل السلطة، السياسية أو الدينية أو الاجتماعية، للأفكار النقدية والأسئلة المقلقة.

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، برزت أولى الأزمات الكبرى مع صعود الأدب السياسي والفكري، ليتعرّض كتّاب مثل نجيب محفوظ، وصنع الله إبراهيم، وغسان كنفاني، للملاحقة أو المنع أو التضييق، حين تجاوزت أعمالهم الخطوط التي رسمتها المؤسسات الرسمية.
ولم تكن الرقابة تقتصر على المنع، بل شملت أحيانًا التهميش أو الإقصاء الناعم من المنابر الثقافية
.

وفي السبعينيات والثمانينيات، اتخذ الصدام طابعًا أكثر حدة، مع توسع دور أجهزة الرقابة وازدياد حساسية الأنظمة تجاه النقد الأيديولوجي، حيث أُوقفت مسرحيات، وصودرت كتب، وحُوكم شعراء وكتّاب بتهم «الإساءة للقيم» أو «تهديد الأمن الفكري». وشكّلت قضية رواية أولاد حارتنا لنجيب محفوظ نموذجًا كلاسيكيًا لصدام طويل بين الإبداع والمؤسسة الدينية والرسمية، وهو الأمر الذي تلقّفه بعض المتطرفين ليصل الأمر إلى محاولة اغتيال الكاتب.

ومع دخول الألفية الجديدة، تغيّرت أشكال الأزمة دون أن تتلاشى. انتقلت المواجهة من المنع المباشر إلى أدوات أكثر تعقيدًا، مثل سحب الجوائز، أو استبعاد المبدعين من المهرجانات، أو التضييق الإداري والمالي.
 وأصبحت المؤسسات الثقافية، في بعض الأحيان، تمارس رقابة ذاتية خشية الصدام مع السلطة أو الرأي العام المحافظ
.

بعد ثورات الربيع العربي، تصاعدت هذه الأزمات بوتيرة أسرع، فبينما تجاوز المبدعون الأسقف القديمة، أعادت المؤسسات إنتاج القيود بأشكال جديدة، تحت عناوين مثل «الحفاظ على الاستقرار» أو «حماية الهوية»، وبرزت قضايا أثارت جدلًا واسعًا، كمنع معارض فنية، أو محاكمة كتّاب بتهم أخلاقية أو سياسية، أو فصل أكاديميين بسبب آرائهم.

اليوم، تبدو الأزمة أكثر تعقيدًا، إذ لم تعد المؤسسة طرفًا واحدًا، بل شبكة من السلطات السياسية والدينية والاجتماعية والإعلامية.
وفي المقابل، لم يعد المبدع معزولًا، بل بات يمتلك منصات بديلة عبر الفضاء الرقمي، ما جعل الصدام أكثر علنية وتأثيرًا
.

تاريخ الأزمات الثقافية في الوطن العربي يكشف أن الصراع لم يكن يومًا حول النص وحده، بل حول من يملك تعريف الثقافة، ومن يحدد دورها: هل هي أداة تزيين للواقع، أم مساحة مساءلة وتفكيك؟ سؤال لا يزال مفتوحًا، ويعيد إنتاج نفسه مع كل أزمة جديدة بين المبدع والمؤسسة.

 



Enregistrer un commentaire

Plus récente Plus ancienne