لغتنا الجميلة

 


يومًا بعد يومٍ وعامًا بعد عام، يعلو صراخ الـ«ضاد» ويزيد نحيبُها حزنا على ما آلت إليه.. في مثل هذا اليوم من كل عامٍ عندما تحلّ ذكرى #اليوم_العالمي_للغة_العربية تستعيد الذاكرة تفاصيل الماضي، تُخرجُ مخبوءَها وتكشف سترها، ويحضر البعيد الكامن في مجاهيل النفس.
«أنا البحر في أحشائه الدر كامن.. فهل ساءَلوا الغواص عن صدفاتي»، بيت من قصيدة لشاعر النيل حافظ إبراهيم، لطالما اقترن بالصوت الدافئ للشاعر والإذاعي الراحل فاروق شوشة، إذ كان يستهل بها حلقات برنامجه «لغتنا الجميلة»، فيلتف المثقفون والعامة، حول المذياع، ينصتون، علّهم يضيفون مفردة جديدة إلى قاموسهم اللغوي أو يعطرون وجدانهم بأبيات شعرية، كان الراحل دقيقًا في اختيارها، مقدِّمًا في كل حلقة شاعرًا متحققًا.
ولأنها العربية الفصيحة، ولأنه فاروق شوشة، استطاع البرنامج الصمود والمواصلة لعدة عقود، نافذة يطل منها المثقفون على عالم الارتقاء اللغوي.
لم تمضِ أكثر من خمس سنواتٍ على رحيل الأستاذ فاروق شوشة، حتى فُجعنا بما آلت إليه لغتُنا على أيدي عابثين، يتصدرون –أحيانًا- المشهد في عديدٍ من المؤسسات الإعلامية والكيانات الثقافية والإبداعية بينما لا يعرفون الفارق الهجائي بين «فاعلية وفعالية»، لا يستطيعون تحديد نوع مفردات كـ«البئر» أو «الطريق» أو «السوق» من حيث التأنيث والتذكير، لا يستطيعون تحديد هجاء صحيح لكلمة «اتحاد»، وهل يكتبونها بهمزة وصلٍ أو قطع، الياء والألف المقصورة «اللينة» لديهم سواء.
من أسباب تدهور «لغتنا الجميلة» -في تقديري- غياب المرجعية الحقيقية، القِبلة التي يهرع إليها المستفسرون الراغبون في تصحيح معلومة أو ضبط قاعدة أو الاستزادة.
قضية اللغة، لا يُشغَل بها -كما ينبغي- إلا المخلَصون –بفتح اللام لا بكسرها- لحمل رايتها، والمؤمنون بأنها المقوم الأصيل من مقومات الهوية».
جميعنا مسؤول عن تدهور لغتنا، العامل في مصنعه، والفلاح في حقله، والمعلم في فصله، والمبدع في ديوانه، المجتمع بأسره مسؤول عن تدهور اللغة، وفي الصدر منه تأتي الكيانات والمؤسسات المعنية بالشأن اللغوي، والتي صارت أشبه بالجزر المنعزلة، فلا تنسيق ولا تضافر للجهود.
«الإعلام» دائما يكون الضحية، المشجب الذي يحلو للكثيرين تعليق كل خسيس ودونيٍ به، إذ أنّ التركيز على الدور الإعلامي وحده في النهوض باللغة العربية، ليس إلا محاولة للهروب من المشكلة الكبرى في التعليم، فالحل في تبسيط قواعد اللغة للدارسين، وفرض رقابة منزلية على المفردات الدخيلة التي ينطقها أطفالنا، لنستطيع تنشئة جيل لا يعرف طريقًا إلى لحنٍ جلي، ولا تغيب عنه ملامحُ اللحنِ الخفي.
وأخيرًا: عذرًا لغتنا الجميلة، فأنا أول المقصرين.


Post a Comment

Previous Post Next Post