«أدباتية».. أثر إنساني قبل أن يكون ثقافيًا




أدباتية: إن ما تقوم به «أدباتية» يفتح أمام الأجيال الشابة مسؤولية كبرى: أن يروا في التراث مادة للحياة لا للتحنيط. أن يكتشفوا أن المثل الشعبي، والأغنية التراثية، والحكاية القديمة، هي مفاتيح لهوية أصيلة، لا قيود تكبلهم. وبهذا المعنى، تتحول المبادرة إلى مدرسة تزرع في الشباب حسّ الانتماء والابتكار معًا.

لا يمكن أن نغفل أن «أدباتية» تحمل اسمًا ذا دلالة: مبادرة أبناء مصر للثقافة وحفظ التراث. فالمسؤولية ليست على الدولة وحدها، بل على الأبناء الذين يعرفون قيمة ميراثهم. واختيار المبدعَيْن د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة لهذا الاسم يعكس وعيًا عميقًا بأن الثقافة لا تُصان إلا حين يتبناها أصحابها، ويشعر كل فرد أنه شريك في حراستها.

ربما أعظم إنجاز لـ«أدباتية» هو قدرتها على نقل التراث من الهامش إلى المتن. ما كان يُعتبر بقايا من الماضي صار مادة أساسية للوعي، وما كان يوشك على الاندثار صار منطلقًا لابتكار جديد. وبهذا تثبت أن الثقافة لا تموت إلا حين نهملها، لكنها تعود للحياة كلما وجد من يؤمن بها ويستثمرها.

في النهاية، يمكن القول إن «أدباتية» ليست مجرد مبادرة ثقافية، بل مشروع حياة. إنها إعلان أن مصر ليست فقيرة في موروثها، بل غنية حد الفيض، وأن التحدي الحقيقي هو كيف نحوّل هذا الثراء إلى طاقة خلاقة. لقد فتح د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة نافذة جديدة ليرى الناس تراثهم بعين أخرى: عين المحبة والاعتزاز والإبداع.

فإذا كانت الحضارات تُقاس بما تحفظه من تراث، فإن «أدباتية» تجعلنا أكثر ثقة بأن ما ورثناه لن يكون مجرد ذكرى، بل وقودًا للحاضر، وبوصلة للمستقبل. في القرى التي يظنها الناس منسية، تولد المبادرات العظيمة، لتقول إن الهامش قد يصنع المتن، وإن التراث حين يُعاد بعثه يصبح حياة متجددة لا تعرف الغياب.



إرسال تعليق

أحدث أقدم