«الخدع السينمائية» فن صناعة الدهشة.. هاجر أحمد نموذجا



خاص أدباتية: في قرى مصر المنسية، هناك أصوات ما زالت تنسج حكايات الجدات، وأيدٍ ما زالت تمارس الحرف القديمة، وذاكرة تختزن أغنيات الليل وأهازيج الحصاد. لكن تلك الكنوز كثيرًا ما تذوب في صخب الحاضر، وتذوي مع انطفاء حامليها، فلا يبقى منها سوى أطلال على ألسنة بعض الكبار. من رحم هذا القلق وُلدت «أدباتية»، مبادرة أبناء مصر للتنمية الثقافية وحفظ التراث، التي أطلقها المبدعان د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة، لتعلن أن التراث ليس للماضي وحده، بل للحاضر والمستقبل على السواء...
صفحتنا على فيسبوك:

https://www.facebook.com/odabatya
لمراسلتنا :
https://odbatiah.blogspot.com/p/blog-page.html
 


«الخدع السينمائية».. فن صناعة الدهشة

قد يأتي يوم يحتل اسمها تترات فيلم كبير، أو ربما يتصدر قائمة المكرمين في مهرجان عربي أو دولي، وحتى ذلك اليوم، تواصل هاجر طريقها بهدوء، واضعة نصب عينيها حلمًا مفاده أن الفن لا يولد في القاعات الكبرى وحدها، بل قد يولد في قلب فتاة تُمسك بفرشاة وألوان، وتقرر أن ترسم للسينما جرحًا يليق بصدق المشاعر.

 

في مدينة بيلا بمحافظة كفر الشيخ، حيث تمتد الحقول الخضراء على مرمى البصر ويُخيَّل للغريب أن لا شيء هناك سوى رتابة الريف، وُلدت موهبة شابة تُصر على أن تضع اسمها على خارطة الفن السابع، إنها هاجر أحمد، الطالبة الجامعية ذات الثمانية عشر ربيعًا، التي اختارت أن تخوض مغامرة استثنائية في مجال يبدو بعيدًا عن بيئتها الأولى «عالم الخدع السينمائية وفنون الماكياج الخاص».

 

الفن الذي اختارته يعتمد على خامات باهظة وتجهيزات معقدة، في حين لم يكن بين يديها سوى أدوات بسيطة، وألوان بدائية، وقليل من الشمع الصناعي. لكنها آمنت أن الموهبة لا تُقاس بحجم الإمكانات، بل بالخيال والإصرار.

 

لم تكن البداية سوى محاولات متواضعة داخل غرفتها، حيث تحولت المرايا إلى مسرح تجارب، والفرشاة إلى عصا سحرية، هناك ولدت أولى أعمالها..  جروح تبدو حقيقية، دماء مزيفة تنبض بالحياة، وكدمات توحي بأن وراءها مشهدًا دراميًا متكاملًا، سرعان ما لفتت أعمالها أنظار المحيطين بها، ليتحول شغفها الشخصي إلى مشروع فني يجد صدى أوسع.

هاجر ترى أن عملها يتجاوز حدود الزينة البصرية، فالجرح الذي ترسمه ليس مجرد خدعة سطحية، بل عنصر درامي يخدم رؤية المخرج ويمنح المشهد قوة إضافية، وهي تصرّ على الدقة في تنفيذ مؤثرات بصرية بالماكياج تحوّل المشاهد التثميلية إلى واقع مقنع باستخدام خامات وألوان آمنة تناسب الكاميرا والإضاءة.

أمام شحّ الخامات المتخصصة، لم تستسلم هاجر للعقبات، بل حولت الأزمة إلى فرصة للإبداع، كانت تجرب خامات محلية ومواد متوفرة، وتعيد توظيفها بذكاء حتى تصل إلى نتائج مقنعة، هذه المحاولات صنعت شخصيتها الفنية، وأعطتها خصوصية تميزها عن غيرها.

ما يميز هاجر عشقها للتفاصيل، حيث تقضي الساعات الطويلة لتدقق في ثنايا الجرح المرسوم على وجوه الممثلين، أو في تدرجات اللون الأحمر الذي يحاكي الدم، حتى تصل إلى أقرب صورة للواقع، وهي ترى أن هذه التفاصيل ما يضمن مصداقية المشهد، ويمنح المتلقي صدمة بصرية حقيقية، وخلف هذا التركيز الفني يقف حلمها الأكبر أن تصبح من أصحاب الأسماء البارزة في مجال المؤثرات الخاصة وأن تضع بصمتها الخاصة في صناعة طالما عانت من ضعف الإمكانيات التقنية.

قصة هاجر لا تتعلق بموهبة فردية فقط، بل بملامح جيل جديد يرفض أن يكون مجرد متفرج على السينما العالمية، بل يسعى ليكون صانعًا ومشاركًا في صياغة الصورة، هي تُدرك أن الصناعة تحتاج إلى دماء شابة وطاقات جديدة، وتطمح أن تكون جزءًا من هذا التحول.

بيئتها الريفية لم تمنعها من التطلع إلى العالمية، بل منحتها أرضية صلبة من الصبر والتمسك بالأمل، فابنة بيلا الصغيرة، التي ربما لم يكن يتوقع لها أحد أن تسير في هذا الاتجاه، وجدت في الفن نافذة واسعة على العالم، ومساحة للتعبير عن ذاتها.

اليوم، لا تزال هاجر في بداياتها، لكن خطواتها تحمل ملامح مشروع واعد، هي تعرف أن السينما المصرية بحاجة ماسة إلى تطوير أدواتها التقنية، وأن الماكياج السينمائي والخدع البصرية من أهم عناصر بناء المشهد، وهي مؤمنة أن إصرارها على التعلم، وتجريبها الدائم، ودعم محيطها، سيفتح لها أبوابًا أوسع في المستقبل.




Post a Comment

Previous Post Next Post