أدباتية.. حين ينهض التراث من الهامش ليصبح متن المستقبل

 



أدباتية: في قرى مصر المنسية، هناك أصوات ما زالت تنسج حكايات الجدات، وأيدٍ ما زالت تمارس الحرف القديمة، وذاكرة تختزن أغنيات الليل وأهازيج الحصاد. لكن تلك الكنوز كثيرًا ما تذوب في صخب الحاضر، وتذوي مع انطفاء حامليها، فلا يبقى منها سوى أطلال على ألسنة بعض الكبار. من رحم هذا القلق وُلدت «أدباتية»، مبادرة أبناء مصر للثقافة وحفظ التراث، التي أطلقها المبدعان


د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة، لتعلن أن التراث ليس للماضي وحده، بل للحاضر والمستقبل على السواء.

الحلم الذي صار مبادرة

«أدباتية» لم تُولد في قاعات رسمية ولا على منصات بيروقراطية، بل خرجت من قلب الميدان، من إحساس مبدعَيْها بأن ما يُفلت من الذاكرة الشعبية اليوم لن يعود غدًا. جاءت الفكرة بسيطة وعميقة: كيف نحفظ هذا الرصيد الهائل من الحكايات، الأغنيات، الطقوس، العادات، الحِرف، قبل أن يطويها النسيان؟ وكيف نعيد تقديمها بصورة عصرية تليق بجيل يبحث عن جذوره دون أن يفقد بوصلته في الحداثة؟

ورش الحكي.. حين تعود الحكاية إلى أصولها

أحد أعمدة «أدباتية» هي ورش الحكي، حيث يجتمع الأطفال والشباب ليستمعوا إلى جداتهم وأجدادهم، فيعيدون اكتشاف جمال الكلمة الشفاهية. الحكاية هنا ليست ترفيهًا فحسب، بل تربية وجدانية، درس في القيم، وبناء لجسور الذاكرة. إن استعادة فن الحكي يعني استعادة قدرة الإنسان على الإصغاء، على التفاعل مع الحكمة الشعبية التي طالما صاغت وجدان المصريين.

التوثيق الرقمي.. ذاكرة لا تضيع

في زمن السرعة والرقمنة، لا بد أن يتحول التراث إلى بيانات حيّة تحفظها العدسات والميكروفونات والبرمجيات. من هنا جعلت «أدباتية» من التوثيق الرقمي محورًا أساسيًا، إذ تُسجل الأغاني الشعبية والأهازيج، وتُوثّق بالصوت والصورة شهادات كبار السن، وتحوّل الحرف اليدوية إلى أفلام قصيرة تحفظ أسرارها للأجيال. إن الحاسوب هنا ليس خصمًا للذاكرة، بل حارسًا لها، ينقلها من الهشاشة الورقية والشفاهية إلى صلابة الصورة والصوت.

المساحات الإبداعية.. من الماضي يولد الجديد

لكن «أدباتية» لا تكتفي بالتوثيق، بل تؤمن أن التراث بذرة يجب أن تُزرع من جديد. لذا خلقت مساحات إبداعية للشباب، حيث يستلهمون من الأغنية الشعبية قصيدة حديثة، ومن الحرفة القديمة لوحة تشكيلية، ومن الحكاية فيلماً قصيراً. وبهذا يصبح الماضي مصدرًا للابتكار لا مجرد مادة للعرض. فالموروث المصري، إذا ما أُعيدت قراءته، قادر أن يُنبت فنونًا معاصرة تحمل أصالته وتخاطب الحاضر.

الثقافة حق لا ترف

جوهر المبادرة هو الإيمان العميق بأن الثقافة ليست رفاهية، بل حق أصيل من حقوق الإنسان. ففي القرى المهمشة، حيث يندر المسرح والكتاب، وحيث تتزاحم الحاجة اليومية مع قسوة الواقع، تأتي «أدباتية» لتمنح الناس مساحة للتنفس عبر الثقافة، لتقول لهم: أنتم لستم على الهامش، بل في قلب الحكاية. ومن هنا يتبدّى دور المبادرة كحركة مقاومة ضد التهميش، وضد اختزال الثقافة في عواصم كبرى أو مؤسسات رسمية.

بين المحلية والعالمية

إن خصوصية «أدباتية» تكمن في قدرتها على المزج بين المحلّي والكوني. فهي تبدأ من قرية مصرية صغيرة، لكنها تخاطب العالم، لأن ما تحفظه من تراث هو جزء من الذاكرة الإنسانية الجامعة. فالأغنية الشعبية التي توثقها، قد يجد فيها باحث أجنبي مادة لفهم روح المصريين، والحرفة القديمة قد تلهم فنانًا عالميًا في صناعة تصميمات معاصرة.

أثر إنساني قبل أن يكون ثقافيًا

الأثر الأعمق للمبادرة ليس في تسجيل أغنية أو إنقاذ حرفة، بل في إعادة الاعتبار للإنسان نفسه. حين يجلس شيخ في الثمانين ليروي حكايته، ويجد من يصغي ويُسجل، يشعر أنه لم يُهمل، وأن حياته لم تمر هباء. وحين ترى فتاة صغيرة أن أغنية جدتها تُبث على الإنترنت، تدرك أن جذورها ليست عبئًا، بل مصدر فخر. هكذا تُحوّل «أدباتية» التراث من ذكرى فردية إلى وعي جماعي.

مسؤولية الأجيال الجديدة

إن ما تقوم به «أدباتية» يفتح أمام الأجيال الشابة مسؤولية كبرى: أن يروا في التراث مادة للحياة لا للتحنيط. أن يكتشفوا أن المثل الشعبي، والأغنية التراثية، والحكاية القديمة، هي مفاتيح لهوية أصيلة، لا قيود تكبلهم. وبهذا المعنى، تتحول المبادرة إلى مدرسة تزرع في الشباب حسّ الانتماء والابتكار معًا.

مبادرة أبناء مصر للثقافة وحفظ التراث

لا يمكن أن نغفل أن «أدباتية» تحمل اسمًا ذا دلالة: مبادرة أبناء مصر للثقافة وحفظ التراث. فالمسؤولية ليست على الدولة وحدها، بل على الأبناء الذين يعرفون قيمة ميراثهم. واختيار المبدعَيْن د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة لهذا الاسم يعكس وعيًا عميقًا بأن الثقافة لا تُصان إلا حين يتبناها أصحابها، ويشعر كل فرد أنه شريك في حراستها.

من الهامش إلى المتن

ربما أعظم إنجاز لـ«أدباتية» هو قدرتها على نقل التراث من الهامش إلى المتن. ما كان يُعتبر بقايا من الماضي صار مادة أساسية للوعي، وما كان يوشك على الاندثار صار منطلقًا لابتكار جديد. وبهذا تثبت أن الثقافة لا تموت إلا حين نهملها، لكنها تعود للحياة كلما وجد من يؤمن بها ويستثمرها.

خاتمة: ذاكرة تتجدد

في النهاية، يمكن القول إن «أدباتية» ليست مجرد مبادرة ثقافية، بل مشروع حياة. إنها إعلان أن مصر ليست فقيرة في موروثها، بل غنية حد الفيض، وأن التحدي الحقيقي هو كيف نحوّل هذا الثراء إلى طاقة خلاقة. لقد فتح د. طه هنداوي وأحمد زكي شحاتة نافذة جديدة ليرى الناس تراثهم بعين أخرى: عين المحبة والاعتزاز والإبداع.

فإذا كانت الحضارات تُقاس بما تحفظه من تراث، فإن «أدباتية» تجعلنا أكثر ثقة بأن ما ورثناه لن يكون مجرد ذكرى، بل وقودًا للحاضر، وبوصلة للمستقبل. في القرى التي يظنها الناس منسية، تولد المبادرات العظيمة، لتقول إن الهامش قد يصنع المتن، وإن التراث حين يُعاد بعثه يصبح حياة متجددة لا تعرف الغياب.



إرسال تعليق

أحدث أقدم