«كأنه نائم».. شخصيات إلياس خوري تتسلل من الكتب إلى الفضاء الفسيح

 


 أدباتية: في قلب بيروت، داخل مبنى تراثي بُني في ثلاثينيات القرن الماضي، يُبعث إلياس خوري من جديد. غير أن عودته ليست بجسده، بل بأطياف شخصياته الروائية التي تغادر صفحات الكتب لتسير بين الزوار، وتهمس في آذانهم، وتلقي ظلالها على الجدران في رحلة بصرية وسمعية لا تقل التباسًا عن حياة المدينة نفسها.

هنا، في زيكو هاوس، يعود مهرجان أيلول بعد غياب ربع قرن، بتجهيز فني عنوانه «كأنه نائم»، استوحِي من رواية خوري الصادرة عام 2007. على امتداد شهر كامل، يتحول المبنى العتيق إلى مسرح جنائزي مضاء بالذكريات، حيث الأصوات المتقاطعة واللوحات المعلقة والمقتنيات المبعثرة تنسج معًا عالمًا ملحميًا يليق بكاتب قضى عمره يتأمل المأساة الإنسانية.

تقول باسكال فغالي، مؤسِسة المهرجان وصديقة خوري: «أردنا أن نُخرج شخصياته من الكتب بعد عام على رحيله، لتلتقي وتتعارف في فضاء بصري وسمعي. اخترنا جملًا من ثماني روايات، وبنينا العمل على ثلاث منها: كأنها نائمة، يالو، اسمي آدم».

الزائر يبدأ رحلته من عتبة المبنى حيث المحطة الصوتية الأولى، ثم يتدرج عبر طوابقه الثلاثة كما لو كان يعبر من عالم إلى آخر. الدرج نفسه يتحول إلى ممرّ بين حيوات متعددة، أما الغرف فتتوزع فيها تجهيزات تُحاكي أحلام شخصيات خوري وسردياته المتكسّرة. أصوات غريبة، زجاج مهشّم، ملح منثور، وظلال تتراقص على الحيطان، كلها تجعل الزائر يعيش جحيم الحرب والموت الذي عبّر عنه الكاتب في نصوصه.

في الطابق الثاني، يجد الزائر نفسه وسط أحلام شخوصه، سرديات غير خطية تكسر وهم الزمن وتعيد تشكيله. ومن نافذة صغيرة يطل على ورقة شفافة كُتبت بخط يد إلياس خوري نفسه، كأنه يشارك بصمته الأخيرة في هذا المعرض الذي يخلّده.

المسار يستغرق أربعين دقيقة تقريبًا، لينتهي في حديقة خلفية وادعة، حيث تنتظر رفوف خشبية تعلوها كتب خوري المترجمة إلى أكثر من 15 لغة، إلى جانب كتيبات صغيرة وأوراق ملوّنة تحمل عبارات من رواياته، مثل مناشير سرّية خرجت من قلب النصوص.

فغالي، التي شبّهت العمل بـ«حياكة الدانتيل»، أوضحت أن الفريق عمل تسعة أشهر ليصنع فضاءً يجعل الزائر ينجرف إلى عالم خوري، على غرار تجربة متحف البراءة في إسطنبول الذي أنشأه أورهان باموق. غير أن «كأنه نائم» يتجاوز التجربة التركية، فهو لا يكتفي بتجسيد الرواية، بل يعيد بناء روح الكاتب نفسه، ذلك الذي كتب عن المهمّشين والمنفيين والحالمين، وترك نصوصه تنام في مسودات عدة قبل أن يرضى بإيقاظها.

إنه ليس معرضًا بالمعنى التقليدي، بل طقس وداع متجدد، يتيح للزوار أن يعايشوا نصوص خوري لا كقرّاء فحسب، بل كشهود على صوته الذي يتردد بين جدران بيروت، المدينة التي أحبها وكتبها وأبكاها.

بهذا، ينجح «مهرجان أيلول» في إعادة صوغ العلاقة بين الأدب والفن التشكيلي والصوتي، ليصبح المعرض وثيقة حيّة عن إرث إلياس خوري، شهادة تتجاوز النعي إلى فعل إحياء، وتؤكد أن الكاتب وإن غاب جسده، فإن أرواحه المتعددة ستظل تتجوّل بيننا، «كأنه نائم» لكنه لا يكفّ عن الحلم.

 



Post a Comment

Previous Post Next Post